إنها أسئلة كثيرًا ما تتردد داخلنا، وتطرق أسماعنا، وتلحُّ على قلوبنا، وليس الداعية بمنأى عن أمثال هذه الأسئلة، وليس هو بأغنى عن إصلاح نفسه والنظر الدائم فيها ومراجعتها؛ فالنفس متقلبة، وسبحانه وتعالى مقلب القلوب، ولَقلبُ ابنِ آدم أشدُّ انقلابًا من القِدر إذا استجمعت غليانًا، كما أخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم. ولعلك تفهم أن مجرد المعرفة والعلم بخطر المعصية لا يكفي للابتعاد عنها وتركها؛ فكم من علماء اجترءوا على ما لا يجترئ عليه جاهل!! ولعلك تقول متحيِّرًا: كم من مرة حاولت وقررت العودة، بل وحددت لنفسي يومًا أو موسمًا أبدأ منه، ويمرُّ اليوم وينقضي الموسم وأنا على حالي!! وكم من مرة بدأت فعلاً، ولكن ما أكاد أسير في الطريق يومًا أو يومين إلا وأنتكس مرةً أخرى لعوامل من داخلي، أو لطوارئ ودواعٍ من خارجي. إذن: ما العمل؟ وأين الطريق؟ لا بد لكل منا من نقطة تحوُّل، يُحَوِّل فيها مسارَه إلى طريق الله، ويهجُر طريق الشيطان، ويحذر قُطَّاع الطرق. في السطور التالية أرجو أن تعيرني قلبَك لا سمعَك، وإحساسَك لا عينَك، ونحاول سويًّا- بإذن الله- أن نتلمَّس سبيلَ الوصول إلى الله- عز وجل- في خطوات متدرجة، استقيتها من تجارب العلماء في بدء تعاملهم، وإنابتهم إلى رب العزة- سبحانه وتعالى. ومن البداية أقول لك: لا تظن أن الطريق سهل.. فما تسعى إليه قد حُفَّ بالمكاره والعقبات والأشواك، ولكنك عندما تصل ويَفتح لك مولاك البابَ ستنسى كل ألم، وستودع كل تعب، وستحس بلذة لا تضارعها لذة دنيوية. الحجر الصحي!! أول ما يجب أن تقوم به هو عزل نفسك عن مَواطن المعصية ورفقائها؛ حتى لا تجد فرصةً للمعاصي، فتنقطع تمامًا عن المعصية، ثم الزم الإلحاح على معاتبة نفسك وتذكيرها ربها، وردِّد على سمعك دائمًا أنك لا بد ستموت إن عاجلاً أو آجلاً، وستلقى الله- عز وجل- فيحاسبك. اصمت تسلم درِّب نفسك على أن تصمت أكثر مما تتكلم؛ فإن النفس إذا صمتت سكتت، فإذا طال سكوتها تبيَّن لها الكثير مما كانت تخوض فيه من الباطل، وعندها تنكسر؛ إذ تعلم أنها متعرضةٌ لسخط مولاها. ثم عاوِد العتاب مرةً أخرى، وذكِّرها بذنوبها ومعاصيها ذنبًا ذنبًا، وعرِّفها عقوبةَ كل ذنب من تلك الذنوب؛ حتى تعترفَ وتُقِرَّ. انسَ طاعاتك إذا اعترفَت نفسُك بالتقصير والذنوب؛ فأدِم تذكيرها بعظيم جرائمها وذنوبها، وأوهمها أنها لم تعمل في حياتها إلا المعصية، وأَنسِها في هذه المرحلة حسناتها وطاعاتها؛ حتى توقن بالهلاك إن لم تتب، ويستيقظ ضميرها، وتسيل دمعتها. فإذا ما استيقظ ضمير نفسك، وسالت دمعتها، وأيقنت بالهلاك فأخبرها بضرورة الإقلاع عن المعاصي والاستدراك، وأن هذا لا يتأتى إلا بهجران كل أسباب المعصية.. من أصحاب وأهل وقرابة وأدوات، وأخبرها أنها لا تَصِحُّ توبتها إلا بترك ذلك كله. أذلها بالجوع قاوِم التسويف إذا وجدتها تسوِّف لك وتعدُّ لأمد طويل أو قصير، فاحمل عليها حملةً شديدةً بالزجر والتذكير بعدم ضمان الأجل، وأنه لربما تستوفي أجلَها قبل أن يحين الموعد، وأعِد عليها ذكرَ العقوبات والنقم. تحلية بعد تخلية فإذا أذعنَت لك وطاوعتْك في قطع أسباب المعصية، فاعمل على إكسابها أضدادَ ما قطعته وفارقته؛ فابحث لها عن صاحب مرشد، بدلاً من الصاحب المُغوي، وعلِّمها الذكر بدلاً من السهو والغفلة، وألزِمها التثبت والتفكر بدلاً من الطَّيش والعجلة، وأذِقْها مناجاة الرب- سبحانه وتعالى- وحلاوة تلاوة كتابه، ومطالعة العلم، والتعرف على سير الصالحين وأخلاقهم، بدلاً من الخوض في الباطل، ومجالسة الفاسدين المفسدين. وعندها تجتمع أنوار هذه البدائل في قلبك، ويستنير عقلك بموروثات الطاعة، ويؤيدك الله بمعونته، وتقهر أنوارُ الطاعة أهواءَ نفسك؛ فتتحول الطاعة إلى طبع وعادة.. مثلما كانت المعصية لها طبع وعادة. إياك والعُجْب إذا وصلَت نفسُك لهذه المرحلة من الاستقامة على طاعة ربها؛ فربما نَما فيها العُجب بطاعتها وتركها للمعصية، فازجُرها عن ذلك، وذكِّرها بنظر الله- عز وجل- إلى ضميرها، وخوِّفها بحبوط هذا العمل، وشكِّكها في قبوله. تذكَّر ماضيَك وإذا نجَت النفس من العُجب بأعمالها فربما وقعت في الكِبر والاستطالة على الناس لما ترى من معاصيهم واستقامتها، فتزدري العاصين وتترفَّع عليهم، عندها ذكِّرها بماضيها وما كانت عليه، وأقرِع سمعَها بقوله- عز وجل-: (كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) (النساء: 94)، وقول القائل: رب معصية أورثت ذلاًّ وانكسارًا خيرٌ من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا، وخوِّفها من خاتمة السوء؛ حتى تعرف قدرها وتنفيَ الكِبر عن ضميرها. ولكن لا تعتقد أن هذه هي النهاية؛ فكما يقولون: إن الوصول إلى القمة سهل، ولكن الحفاظ عليها هو الصعب، فيجب أن تكون على حذر دائمًا، وأن ترعى نفسك وتهذبها دومًا مما يعكِّر عليها صفوَ الطاعة؛ حتى تظلَّ على هذه الحالة من الاستسلام والانقياد لله- عز وجل- والنفور من معصيته.
إذا نفرَت نفسك من ذلك وأبَت؛ فاكسرها بكثرة الصيام، وأذِلَّها بالجوع؛ فإن النفس إذا آلمها الجوع تخشع وتستمع وتستسلم للمعاتبة فتقبل، فإذا لم تقبل فذكِّرها بعذاب الله وسوء المصير؛ حتى تلين لك، وعندها ستجدُها تعطيك وعدًا بترك المعاصي بعد قليل، وتسوِّف لك متعللةً بقضاء بعض حوائجها.
Sunday, October 7, 2007
كيف أتغير؟خطوات في إصلاح الذات
Thursday, October 4, 2007
المستلزمات التربوية لجيل التحدي

الملاحظة الأولى: نسبية هذه المواصفات:
هذه القضية تُبحث بطريقة نسبية، حسب المرحلة التي يكون فيها العمل الإسلامي، والمكان الذي هو فيه. أحيانا تكون الدعوة في بلد ما في مرحلة تأسيسية، فيكون آنذاك من اللازم التجرد للتربية، وتأصيل المفاهيم الأساسية، وصياغة خُلق الداعية الأساسي، من ثبات وتضحية وإخلاص وما إلى هذه المعاني... ولكن تجد في بلاد أخرى قد تجاوزت البدايات ومرحلة التوسّطات وصارت في مرحلة دعوية متقدمة وتواجه أعمال المؤسسات الكبيرة، هنا تكون الصفات التي يتحلى بها إخواننا من جنس آخر. لا نقول أنه لا يكون هناك حاجة إلى الإخلاص، وإلى التربية الإيمانية وأمثال ذلك. ليس هذا هو المعنى، ولكن نقول أنه يُفترض أنها حلت بمقادير وافية في جماعة العاملين، وأنه تلزمهم بعد ذلك أنواع من الكفاءات الأخرى، التي تجعل عملهم عملا مكافئا للحاجة الموجودة، فإذا ركزوا على خبرة سياسية وقضايا تنظيمية، في حين تُركّز الدعوة الأخرى التي في بلد آخر (التي هي في المرحلة التأسيسية)، على قضايا خُلقية وعلى أمور الثوابت. لا يشكل هذا اختلافا في المنهج.
هذه المسألة إنما هي تابعة لطبيعة المرحلة التي تكون عليها الدعوة، أو طبيعة المكان. أنا أتكلم عن دعاة المفروض أنهم تجاوزوا مرحلة البداية، وأنهم كُـلّفوا بمواجهة تحديات النظام العالمي الجديد، وأنهم ينزلون إلى ساحة معقدة، لا الساحة البدائية التي فيها مجرّد التربية ومجرد تزكية النفس، فإني إن خرجت عن هذه المعاني الابتدائية إلى معاني أخرى سياسية وتخطيطية لا يَخطُر ببال أحدكم أنني قد تجاوزت الإيمانيات وأنني ازهد فيها، أو لا أوصي بها، أو لا أحَبّذها لإخواني، بل طبيعة الظرف تقول أنه ينبغي أن نزيد على الإيمانيات هذه الشروط المتقدمة.
هذا استدراك لابد منه، ولا بد أن نذكر أنفسنا به قبل أن نتوغل في مثل هذه الصفات.
الملاحظة الثانية: مفاضلات جزافية:
البعض قد تكون له قدرة للعلوم الشرعية، والبعض الآخر قد تكون له طاقة للتحليل السياسي والممارسة الميدانية السياسية، والبعض الآخر قد يكون صافقا بالأسواق، والبعض الآخر قد يكون على طريقة أخرى. فليس معنى هذا أن يقوم أحد بمقام التفضيل ويقول هؤلاء يحتكرون الصواب، وأما هؤلاء فأهل خطأ، هؤلاء هم الأولى في هذا الزمن وقولهم هو المقدم والآخرون ينبغي أن يتأخروا، أو ما شابه هذا من الأقوال الجزافية.. كلا بل هم حَلقة مُفرغة ليس فيها ضلوع، على بُعدٍ مُتساوٍ من مركزها ومن نقطة المحور.. فكل العاملين للإسلام فيهم خير وفيهم نوع من الطاقة التي تتكامل.. وتلك سنة الله.
مواصفات جيل التحدي:
أنا أرى أن هناك جملة من الصفات يمكن أن يتحلّى بها الداعية الذي يواجه هذا النظام في هذا المجتمع المعقد، أولها ما أسميه: التربية على المنهجية.
أولاً: التربية على المنهجية
تعريف المنهجية:
المنهجية إذا عرّفناها لا يمكن أن تحصرها المعاني حصرا دقيقا، وإنما هي أنماط في التعامل يُدركها من يُعاني التعلّم الطويل، أو من يُعاني تنفيذ مسألة مستمرة. كيف يتناول هذا العلم؟ أو كيف يتناول تنفيذ ذلك الأمر؟
نرى أن المسألة المنهجية قضية من باب تجريبية، أي بمرور التجربة تنمو. المعنى المُهمّ الذي فيها أنني ما أهجم على الأمر هجمة واحدة، بدون أن أضع أولويات وبدون أن يكون هناك تدرج.
أسس التناول المنهجي:
التناول المنهجي يتطلّب منكم أن تضعوا:
أولا: جذور المسألة العميقة.
ثانيا: الإحاطة بالأمر الواقع بنظرة شمولية، وليس من خلال زاوية معينة.
ما أريده من هذا الواقع ليس مجرد معرفة خبرية، بل تراد لتطوير الأمر وفق مفاهيمك، ووفق مصالحك، بحيث يصب في واديك. فإذاً هو عمل تَسعى له ويؤثر في المستقبل. فأنا لا أدع المسألة تسير بنوع من التلقائية، المهم أنني وفق ثوابت فكرتي ووفق ثوابت مصلحتي أن أفهم ما هو هذا الواقع وإلى ما يُراد تطويره؟ هذا في خلاصته التناول المنهجي للقضايا.
نواقض المنهجية:
المفاضلات الأحادية:
الحذر من الدخول في المفاضلات الأحادية، أعني أنه يكون هواك في مسألة وفي جانب، فكأنك تفهم الواقع والمستقبل وفق هذا الجانب.
مثلا: ما يقال: أيّهما أهم العلم أم الأدب؟ هذا سؤال في أصله فاشل. سؤال في أصله يهدم حقيقة من حقائق الحياة. الأدب مُهمّ والعلم مُهمّ ، وهذا له مجال وهذا له مجال.
فالقضايا تحكمها النظرات النسبية، وتقيس على ذلك المسائل في قضايا الحياة جميعا.
لا بد أن نعترف بالموازين النسبية في فهمنا لطبيعة الحاجات الكبيرة، وأن بينها تكامل.. ما لم نفهم الحياة بهذه الصورة فإننا نقع في التفسير الأحادي الذي يفهم الحياة في الجانب الذي يكون هواه.
أحادية التفسير هو دائما النقيض لمسألة المنهجية، والتَّقيّد في الفهم من غير نسبيّة هو نقيض المنهجية.
قيمة المنهجية:
- المنهجية تضاعف قيمة العمل، فالعمل الذي يجيء في مكانه المناسب، أو وقته المناسب يكون أكبر بكثير ممّا لو يكون في وقت آخر.
الثمرة الكبرى لهذه المنهجية أنها توفر الطاقات، وتجعل للعمل الصغير أثرا مضاعفا.
ثانياً : التربية على كسر القوقعة والخروج إلى الحياة الفسيحة، والتفاعل الاجتماعي وتحقيق الكتلة البشرية الإسلامية الضاغطة في معترك الحياة
في أوّل تأسيس الدعوات في أقطارنا، تَعوّدنا على أن نكون بعضا مع بعض في البيئة المسجدية، وأن نعيش في بيئة تُعمّم العفاف، خاصة إذا كان هناك نوع من الفساد في المجتمع، فعلّمونا العيش الانعزالي الذي فيه حصانة لهؤلاء الشباب الذين ينعزلون، بحيث أنّه يبقى وفياً لإسلامه، وفياً لأخلاقه، فيتطبّع هذا الأخ تدريجيا بهذه الطبيعة، حتّى أنه لا يأنس بغير بيئة المسجد، ولا يأنس إلا في بيئة إخوانه الأقربين، يستروح لهم لأنه يجدُ خُلُقاً عاليا، ويُصبح كارهاً لما هو خارج هذا المحيط المسجديّ من الناس الذين فيهم مصلحيات، أو يصبح خائفا من الآخرين، إما يغرونه بفساد أو يغرونه بإلحاد وما أشبه، فيكون كما في المثل، كأنه بيضة هشة والآخرون كأنهم حجارة صلدة.
أنا لا أنكر أن هذه التربية هي ضرورة، وأنها عصمتنا في شبابنا الأول، ولكن مع الأيام الصف الإسلامي توسع وتقادم عهده وتخرجت أجيال.
لِمَ لا تُفكّر بأن الأخ الذي عمره عشرة إلى عشرين سنة في الدعوة، إذا خرج إلى المجتمع سيكون هو الحجارة ويكسر تلك القوقعات، ويكسر تلك القيود؟ !
الإسلام هو الحُجّة الأقوى في الحجج المتصارعة، وصاحبك متحصن بهذه الحجج الإسلامية القوية فلا تخف، أضف إلى ذلك أننا في موطنٍ السّياسةُ فيه تستدعي حملة ضغطٍ، وتركيز للقول، وإسناد بجمهور وافر عريض مُنساب في الساحة.
نحن بين مصلحتين أو بين مفسدتين متعارضتين، المصلحتين المتعارضتين: مصلحة أن نبقي على الدرجة العالية من أخلاقنا، ولكن في القوقعة الصغيرة المسجدية، أو البيئة الطاهرة التي نرتضيها في أي مكان، ومصلحة أكبر أن ننتشر في الأفق، ونأخذ من الآخرين الذين هم دون هذه الصفات.
ينبغي أن يكون هناك نوع من الموازنة، وأغلّبُ المصلحة الأكبر. المصلحة الكبرى تقول أن منطق السياسة لا بُدّ له من عدد وافر، ولا بد له من جماهير تتسع، فإذاً أنا أتسع بهذه الجماهير وأبقي القيود بيدي.
ثالثاً التربية على الإيجابية والإبداع
كان الداعية في زمنه الأول متلقّياً، يُراد منه حسن التلقي، يُلقى له الكلام الإيمانيّ، يُروَى له خبر الأولين، ويُراد منه أن يحسن الاستماع، ويفتح القلب لتلقي مثل هذه التربية.. هذا أمر جميل وهو الأساس في صياغة العناصر الإسلامية، لكن ينبغي أن لا ننسى أن هذه هي المرحلة الأولى (المرحلة التأسيسية)، أما بعد ذلك فنحن نريد من الأخ أن يكون هو قائلا، هو الذي يُربّي غيره.
لمّا نقول التربية بالتلقي ليس معناها فقط اللسان، أنك تقول مفردات العلم فيسمع، اليوم التربية هي عملية متكاملة فيها هذا التلقي، وفيها أيضا المسائل العملية التي تؤخذ من خلال المباشرة والمعاناة والانصباغ العملي بذلك، وفيها قضايا أخرى، أنك تدير العمل بواسطة مجموعة عاملة في مؤسسة، بنظام إداريّ، كقضية صحفية أو مشروع مشترك مع الآخرين ... فقضايا الحياة تتنوع وليست قضية التربية التلقينية هي النوع الوحيد فيها، أن تتربى من أعمالك اليومية في المؤسسة، أو تعاني معاناة في عمل صعب.. من هذه تتربّى.
إن الحياة متنوعة، وتفاصيلها كثيرة، ولابد لنا من أن نوجد نموذجا هو الذي يعرف ماذا يليق لكل حالة من الحالات، وهذا الذي نعنيه بالإيجابية، فالبعض يبقى ينتظر حتى يؤمر فيتحرك، والبعض يأخذ وَصْفات جاهزة، فإذا لم تصله الأوامر من قادته يبقى بدون حركة، يصير له سنوات طويلة في الدعوة، ولكن لا يتحرك إلا أن يُقال له تحرّك وهذه خطة التحرك، وهذا يمينك وهذا يسارك.
بالأول كان في التجنيد الإجباري في بلادنا المتخلفة يأخذون القرويين ويعلمونهم اليمين واليسار.. يقولون لهم يمين دُر أو يسار دُر، فأنذاك لا يعي هذه الأمور وهو قروي.. يمسكونه حجارة في كفه ، فيعلم أن التي فيها الحجارة اليمين، فإذا قالوا له: إلى اليمين در، بسرعة يشتغل الكمبيوتر وأدرك أن اليمين هي التي فيها الحجارة! الحجارة التخطيطية دائماً في يده، أما هو أن يكتشف الجهات الأربع وأن ينظر في السماء إلى النجوم ليقود نفسه كما يقود نفسه الغزال أو الذئب بالفطرة التي هو عليها، ما يستطيع ذلك... كلا أيها الإخوة .. الإيجابية مطلوبة عندنا .. أنت نقطة البداية والنهاية في هذا العمل .. أنت عالم مستقل بذاتك، لو فرضنا أنك في جزيرة وحدك أتنتظر رسائل وفاكس وتلكس ليقال اعمل كذا وانظر كذا...
المبادرة الذاتية والإيجابية والابتكار والاختراع ونفسية التملص من الحصار ونفسية التمرد على الواقع المتخلف ونفسية الاستشراف.. هذه أخلاق أساسية في تكوين خلق الداعية المسلم اليوم. و إلا يكون طبعه من نسخة واحدة متكررة.. نريد العنصر الذاتي المنوع في ابتكاراته.. وكم وضع بعض الناس في أماكن يخدمون الأمة بكاملها من خلال المبادرة الفردية، والقضايا في هذا والتمثيل يمكن أن يستطرد ولكننا محدودون بالوقت.
أنا قد كتبت سابقاً في القصص الإسلامية، بطولة حسين رؤوف قائد البارجة الحميدية في حرب البلقان سنة 1912م، وهو في الأسطول العثماني، لوحده اخترق الحصار البحري اليوناني وذهب إلى ميناء يسمى ميناء سييرا وفعل فيهم ما فعل لأنه فاجأهم في الخطوط الخلفية، دمر الميناء.. ثم قفل راجعاً، لم يعترضه أحد، ولكن لا يستطيع فك الحصار مرة ثانية، فرجع إلى الإسكندرية، ثم إلى بيروت طيلة مدة الحرب حتى انتهت، فجاء إلى الدردنيل وإلى البوسفور ظافراً مظفراً واستقبلته الأمة كبطل تاريخي، وصار بعدئذ وزيراً للبحرية في أيام الحرب العالمية الأولى، ثم لما صارت النكبة على الأمة واحتلت بلاد الإسلام، عمل مع مصطفى أتاتورك على تحرير بلاد الإسلام من اليونان والجيوش الإنجليزية.. دارت حروب كان بطلاً فيها، فصار رئيساً للوزراء في تلك الأيام، ثم لما أراد أتاتورك إلغاء الخلافة، تمرد عليه وأبى، وقال أنا مسلم ولا يمكن أن يكون ذلك، فاختلف معه وعاش طيلة حياة أتاتورك منفياً في باريس، فلما مات أتاتورك سنة 1936 ، رجع إلى تركيا ولما رجع إلى تركيا وجد نفسه معززاً مكرماً مرة ثانية، فعينوه سفيراً لتركيا في بريطانيا.. بقي سفيراً طيلة الحرب العالمية الثانية. يقول: تشرشل يحاول إغرائي، لأقدم تقريرا إلى حكومتي للموافقة على دخول الحرب إلى جانب الحلفاء، ولكن كنت أرى أنه لا مصلحة لتركيا في ذلك وأريد أن أحفظ بلادي. وفي الديمقراطية التركية أن البرلمان لو أراد شيئا ولم توافق الجهة المختصة فإنه لا عبرة لهذا القرار.. يقول: أن تشرشل عمل العمل الكثير على إغراء نصف البرلمان أن يوافق بالرشوات ، قد وافقوا على دخول تركيا الحرب ، يقول : ولكن تقريري لم يتبدل وجنبت تركيا الحرب ، وبقيت طول الحرب على الحياد وأخرجها سالمة من براثن الحرب، وما استطاعوا أن يفعلوا شيئا ، يقول : حتى تشرشل دعاني ودعا كثيرين وعمل وليمة وقام وخطب ومجدني تمجيدا عظيما على أمل أن أنصاع، وأكتب تقريري بدخول تركيا في الحرب، ولكن لم أفعل ذلك...
دعك من البطولة الأولى، لكن أنظر مقامه في الإباء إذ هو سفير، كيف أن موقف رجل واحد، قد عصم الأمة من تردي اقتصادها، وعصمها على أن تكون وقود حرب، وعصم نفوسا وأرامل وأيتام، وجنب تركيا مزالق السياسة ومتاهاتها في تلك الأيام، وهو فرد واحد.
هذه نسوقها، ولو هو مثل كبير، والداعية قد يزدري نفسه ويقول: لست بسفير ولا بطل وما عندي بارجة حميدية... لا، نحن نسوق الأمثال والقصص لا لتكرر ولكن في متقارباتها، ما تدري أنت ما يخبئ لك القدر.. أتظن في نفسك أنك جرم صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر. كما يقول الشاعر.
أنت عالم كبير أيها الأخ، وعزيز بإيمانك، ويمكن أن يسهل الله عليك أن تكون في موطن من المواطن التي تملأ بها الأرض عدلا كما مثلت جورا، تملأ فيها الجامعة أو المؤسسة التي أنت فيها منهجية وأخلاقا وتوفيرا للأموال بعد تسيب وتهور ولا أبالية، يمكن أن تكون أنت مثالا للشباب، في أيام انسحاب وهزيمة وفتور.. يمكن أن تكون أنت مثالا لابتكار مشروع إنمائي ناجح إذ الأموال في العلم الثالث تهدر وتحوّل لهم طبيعة استهلاكية أمريكية، هي من متممات النظام العالمي الجديد. أنت كبير بمقدارك، تستطيع فعل شيء كبير لدعوتك ولأمتك. لا تزدري نفسك، لو نظرنا إلى أنفسنا أننا نقاط بداية ونهاية، وأننا يمكن أن نفعل الشيء الكثير، لأذن لنا ذلك، والحياة ما هي إلا شيء منك ومن أبناء عمنا وخالاتنا وجيراننا ومعارفنا الآخرين. من هم الذين يقودون الحياة؟ لم تفترص أن الأمير الفلاني أو الديكتاتور الفلاني... في ظل الديكتاتور أستطيع أنا أن أعصم البلاد من أشياء كثيرة، كعمل هذا الرجل الذي قلناه حسين رؤوف صاحب البارجة، أو غيره وغيره.
رابعاً : التربية على الأصالة الشرعية والتوسع في العلم
هذه المسألة كثيرا ما ينساها دعاة الإسلام، يعرفون من الإسلام العناوين المهمة، يعرفون من الإسلام العاطفة والإيمانيات الدفاقة، ولكنهم لا يذهبون إلى أبعد من ذلك بتعلم الموازين الشرعية والقواعد في تعارض المصالح والمفاسد، وفي سدّ الذرائع وحكم الضرورات وفي رفع الحرج وأمثال ذلك مما قاله الفقهاء، وأن هذه المسائل بعضها ثوابت شرعية لا يمكن التنازل عنها، وبعضها متغيرات يمكن أن يتعدد فيها الاجتهاد، حسب الزمان والمكان والظرف والمصالح... كما قال الفقهاء.
هذه القضايا والتمييز بين الثابت والمتغير لا يأتي إلا بمطالعات شرعية متعمقة وليست في كلمات يسيرة تؤخذ من أفواه المتكلمين. في المؤتمرات نأتيكم ساعة ونتكلم وتطربوا لهذا الكلام ثم لا شيء بعد ذلك. كلا حَنيُ الظهور فوق هذه الكتب العلمية الشرعية ذات الأوراق الصفراء القديمة التي بدأ البعض يزهد فيها هو مظنة وجود العلم النافع ومظنة وجود الأصالة في التلقي.
هذه القضية أكبر أمثلتها أيها الإخوة ما جرى من هذا الزلزال في الخليج.. قضية الكويت، لو كان عند الجميع الأصالة الشرعية التي تميز معنى العدوان، وتميز معنى الأمة الإسلامية ووحدتها، وتميز معنى الاستعانة بالمشركين وعدم جوازه وأنه لا يجوز إلا في الحدود الضيقة من استعمال سلاح أو استخدام دليل أو ما شابه ذلك... لو اتفق جميع الإخوة وقتها على هذه المعني، وهي مبثوثة في الكتب، ميسورة لمن شاء، بمدة يد قصيرة واحدة إلى أي رفّ في المكتبات الشرعية تستطيع أن تستخرج هذه القضايا، لوفر علينا جهد كبير ولاصطلحت القلوب، ولما حصلت التعكيرات ولما تبدلت القلوب بعضها على بعض.. ما حدث ماهو إلا نوع من هجران هذه العلوم الشرعية وعدم الركون إلى الأصالة.
المسألة أبعد من ذلك وإنما هذا المثل الصارخ الذي أتينا به، وإنما نحن في أيامنا وليالينا.. عمل اليوم والليلة يحتاج إلى شيء كثير نعرف به مثل هذه التفصيلات في الأصالة..
طريقة التربية مثلا، على ماذا تربي وما هو الثابت والمتغير في المعاني الإسلامية الأصلية في القضايا التربوية وتزكية الأرواح وما إلى ذلك.
القضايا التي هي أبعد من التربية، مسألة الفكر، من نحن وما فكرنا؟ وبأي الموازين نزن الأفكار الأخرى المطروحة كالرأسمالية والقومية والديمقراطية والشيوعية وغيرها؟ نعرف فقط أن الشيوعية لأنها إلحاد صارخ أنها من الحرام ، ولكن لا نميز ما في ثنايا الديمقراطية من مشابهة في معاني الحرية بينها وبين الإسلام، أو بينها وبين الرأسمالية ساحة مشتركة في الحرية الشخصية في استثمار الأموال، ثم لا نميز ما فيها من معاني الربا ومعاني الاحتكار ومن معاني أخرى تخالف قضايا الإسلام... ففكرنا الذي نطرحه يراد أن يعتصم بهذه الأصالة، وعملية التأصيل، بينت الأيام أنها كانت ضعيفة في ساحتنا الدعوية، بعد أن كنا نظن دهرا أنها قوية وأنها وافرة وموجودة بالمقدار الكافي. بينت أحداث الكويت أنها لا. موجودة بمقدار ناقص، وفضحنا فضيحة ينبغي أن نتوب منها، وينبغي أن نرجع إلى تعلم أصول العلم الشرعي وأن نجعل هذه المسألة بابا لمحاسبة النفس وبابا لاستدراك الأخطاء، وليس من عيب في ذلك. العيب هو الإصرار على الجهل.. حاشاكم. ولكن مسألة الأصالة ما تزال ديدن المربيين، وألفت مؤلفات تعين على ذلك، ومن آخر ما رأيت من الكلام اللطيف لأخينا عصام البشير في مسائل شرح الأصول العشرين والأستاذ جمعة أمين كتب في شرح الأصول العشرين أيضا أشياء لطيفة في هذه القضايا، وكتب الأستاذ علي عبد الحميد محمود في فقه الدعوة إلى الله أشياء من هذا القبيل، وكتب آخرون من مجموع كتاباتهم يمكننا أن نتعلم المعاني الأولية للأصالة، وفي كل كتب الفقهاء والتراث القديم زيادة وتفصيل آخر نرشح لكم أن تقرأوا فيها كائنا ما كان المذهب، كن شافعيا أو كن مالكيا . ستصل في النهاية إلى نتيجة واحدة ورؤية مشتركة.
Wednesday, September 26, 2007
لُكَع بن لُكَع.. إلى أين؟ - د. توفيق الواعي

اللكع عند العرب هو اللئيم الوسخ القذر المستعبد، وهذا الصنف من الناس هو الذي يلوث المجتمعات ويصيبها بالإحباط، ويزرع فيها الخراب والظلم وعدم الاستقرار، ويطمس فيها كل معنى عظيم كما يطفئ ويريق البهجة والسعادة في محيطها الجميل، وهو مع هذا وللأسف تراه يتمتع بخبثه ويهنأ بلؤمه وقذره وانحطاطه وتبعيته، فهل تظن بعد ذلك أن دنيا الناس تدوم مع خبثه أو تبقى أمة من الأمم مع صدارته؟
لا والله، وألف لا، ( والله لا يحب الفساد(205) ) (البقرة)، (والله لا يهدي القوم الفاسقين(5)) (الصف)، وذلك هو الذي أهلك الأمم قبل ذلك (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين 54) (الزخرف)، هذا في شأن فرعون، أما في شأن قوم نوح (وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين 46) (الذاريات)، ثم قال ربنا فيهم وفي أمثالهم: (فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون 40) (العنكبوت).
إذن فعلى أيدي هؤلاء يكون الخراب والدمار، يوضح هذا المعنى رسول الله ص في قوله: لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع. إذن فساعات خراب الأمم لا تقوم إلا على أيدي هذا اللكع الذي لا شرف له ولا نخوة ولا خلق ولا إحساس، ولا عزيمة، وتجده مع هذا أسعد الناس، مات ضميره، وطمست بصيرته وباع دينه وحطم الجميع، وهم اليوم كثيرون، قد ابتلي بهم العديد من الأمم.
فيا أيها اللكع: فلسطين الجريحة تئن كل يوم وأنت تسمع عويل الثكالى ونياح العذارى وعويل الشيوخ وأنين الجرحى، وترى أشلاء المدمرين، ودماء المذبوحين وتنظر إلى المنازل التي هدمت فوق رؤوس أصحابها، والبلاد والنجوع التي أزيلت من الوجود ونعقت فيها الغربان، والحصار الذي أجاع الكبار وأهلك الصغار وخرب المزارع وقطع الأرزاق وبدد الأقوات، حتى بلغت الروح الحلقوم، وأنت هانئ سعيد، تسمع الأغاني الداعرة وتتسلى بالإعلام الفاضح، وتبدد الأموال هنا وهناك، ولا ترى أو ترعى في الناس إلاًّ ولا ذمة، ولا يحس كبدك الغليظ ألماً، أو يتغير مزاجك المتيم شعرة واحدة!
أيها اللكع: هل أنت حي فعلاً، أو موجود حقيقة؟ وإن كنت تظن أنك حي، فما دليل حياتك وعلامة وجودك؟ وقد صدقتني اللغة العربية التي قال أحد فرسانها:
ليس من مات فاستراح بميت ** إنما الميت ميت الأحياء
انما الميت من يعيش كئيباً ** كاسف البال قليل الرجاء
وصدق الله: (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) (الأنعام:122).
أستغرب يا لكع أن كل الدنيا تبكي لمصابنا ومصابك، وأنت لا تبكي على نفسك ولا على مصاب الأمة، وأن تقوم الدنيا وتقعد، ويهب الناس من كل حدب وصوب وفج عميق، جزعاً لما حل بنا، وأنت بارد خنوع مستسلم، ترفع الأيدي والأرجل وتمد الأعناق وتحضر السكين لتجهز على الضحية التي هي أمتك، بدون أن تدمع لك عين!
أكباد العالم تفتتت، وعيونهم تقرحت، وحناجرهم بُحت، وأنت تشرب المدام وترى القيان وتراقص الحسان:
تبكي علينا ولا نبكي على أحد ** فنحن أغلظ أكباداً من الإبل
هل ترى هذا أيها اللكع أسلوباً ترضاه حتى الحيوانات العجماوات التي تدافع عن صغارها، والطيور التي تدافع عن أعشاشها وتذود عن حماها؟ أي فشل هذا، وأي داهية تلك؟ وهل يا ترى كلامي هذا سيصل إليك؟ وإن وصل هل تشعر لبرهة به؟
فالفاشلون إذا غدوت تلومهم ** حسبوك في أسماعهم تترنم
هل تظل تترنم يا لكع، حتى وأنت تسمع أن الخراب يحيط بك، ويطرق بابك؟
العدو نفسه يصرح بذلك، ويقول لا بد من أن يغير حالك وأن يأخذ الخيرات وأن يعيد الترتيب بما يخدم أغراضه وأغراض الكيان الصهيوني الطامع في دحر الأمة!
وهل سيظل لكع يتقاتل ويتشاتم مع لكع آخر، ليزيدوا الأمة فرقة ونكبة على نكبة، ووهناً على وهن، تمهيداً وتوطئة للاحتلال المرتقب؟
يا لكع: إن العدو يحرضك على إخوانك ويطمعك في أمتك، حتى تنبذك الأمة وتكرهك القلوب، وتلعنك الألسنة وتود الخلاص منك على عجل!
الخاسر هو الأمة والذاهب هو ريحها وعزتها وكرامتها وخاماتها واقتصادها ومستقبلها، ومع هذا فلكعاتنا يحبون قاتليهم ويهيمون براكليهم بالأحذية ولا يريدون سماع ما يغضب الحبيب، ولا يريدون أن يشموا ما يزكم الأنوف ويلوث الأجواء عنهم في الحديث والقديم.
ولكنني يا لكع أقولها لك وأعلنها داوية عالية أن الأمة الإسلامية منتصرة بإذن الله وعزيزة إن شاء الله وستكتب تاريخ كل لكع بالسواد مكللاً باللعنات ليكون لها عبرة وذكرى. وصدق الله (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال (إبراهيم). نسأل الله أن يذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور رحيم، آمين آمين.
-----------------------
نقلا عن مجلة المجتمع

