Sunday, October 7, 2007

كيف أتغير؟خطوات في إصلاح الذات

هذه الكلمات لا أعرف من كتبها ، ولكنها من الحكمة التي هي ضالة المؤمن ، أنى وجدها فهو أحق الناس بها كما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، عسى الله أن ينفعني بها وإياكم

إنها أسئلة كثيرًا ما تتردد داخلنا، وتطرق أسماعنا، وتلحُّ على قلوبنا، وليس الداعية بمنأى عن أمثال هذه الأسئلة، وليس هو بأغنى عن إصلاح نفسه والنظر الدائم فيها ومراجعتها؛ فالنفس متقلبة، وسبحانه وتعالى مقلب القلوب، ولَقلبُ ابنِ آدم أشدُّ انقلابًا من القِدر إذا استجمعت غليانًا، كما أخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم.

ولعلك تفهم أن مجرد المعرفة والعلم بخطر المعصية لا يكفي للابتعاد عنها وتركها؛ فكم من علماء اجترءوا على ما لا يجترئ عليه جاهل!! ولعلك تقول متحيِّرًا: كم من مرة حاولت وقررت العودة، بل وحددت لنفسي يومًا أو موسمًا أبدأ منه، ويمرُّ اليوم وينقضي الموسم وأنا على حالي!! وكم من مرة بدأت فعلاً، ولكن ما أكاد أسير في الطريق يومًا أو يومين إلا وأنتكس مرةً أخرى لعوامل من داخلي، أو لطوارئ ودواعٍ من خارجي.

إذن: ما العمل؟ وأين الطريق؟

لا بد لكل منا من نقطة تحوُّل، يُحَوِّل فيها مسارَه إلى طريق الله، ويهجُر طريق الشيطان، ويحذر قُطَّاع الطرق.

في السطور التالية أرجو أن تعيرني قلبَك لا سمعَك، وإحساسَك لا عينَك، ونحاول سويًّا- بإذن الله- أن نتلمَّس سبيلَ الوصول إلى الله- عز وجل- في خطوات متدرجة، استقيتها من تجارب العلماء في بدء تعاملهم، وإنابتهم إلى رب العزة- سبحانه وتعالى.

ومن البداية أقول لك: لا تظن أن الطريق سهل.. فما تسعى إليه قد حُفَّ بالمكاره والعقبات والأشواك، ولكنك عندما تصل ويَفتح لك مولاك البابَ ستنسى كل ألم، وستودع كل تعب، وستحس بلذة لا تضارعها لذة دنيوية.

الحجر الصحي!!

أول ما يجب أن تقوم به هو عزل نفسك عن مَواطن المعصية ورفقائها؛ حتى لا تجد فرصةً للمعاصي، فتنقطع تمامًا عن المعصية، ثم الزم الإلحاح على معاتبة نفسك وتذكيرها ربها، وردِّد على سمعك دائمًا أنك لا بد ستموت إن عاجلاً أو آجلاً، وستلقى الله- عز وجل- فيحاسبك.

اصمت تسلم

درِّب نفسك على أن تصمت أكثر مما تتكلم؛ فإن النفس إذا صمتت سكتت، فإذا طال سكوتها تبيَّن لها الكثير مما كانت تخوض فيه من الباطل، وعندها تنكسر؛ إذ تعلم أنها متعرضةٌ لسخط مولاها.

ثم عاوِد العتاب مرةً أخرى، وذكِّرها بذنوبها ومعاصيها ذنبًا ذنبًا، وعرِّفها عقوبةَ كل ذنب من تلك الذنوب؛ حتى تعترفَ وتُقِرَّ.

انسَ طاعاتك

إذا اعترفَت نفسُك بالتقصير والذنوب؛ فأدِم تذكيرها بعظيم جرائمها وذنوبها، وأوهمها أنها لم تعمل في حياتها إلا المعصية، وأَنسِها في هذه المرحلة حسناتها وطاعاتها؛ حتى توقن بالهلاك إن لم تتب، ويستيقظ ضميرها، وتسيل دمعتها.

فإذا ما استيقظ ضمير نفسك، وسالت دمعتها، وأيقنت بالهلاك فأخبرها بضرورة الإقلاع عن المعاصي والاستدراك، وأن هذا لا يتأتى إلا بهجران كل أسباب المعصية.. من أصحاب وأهل وقرابة وأدوات، وأخبرها أنها لا تَصِحُّ توبتها إلا بترك ذلك كله.

أذلها بالجوع


إذا نفرَت نفسك من ذلك وأبَت؛ فاكسرها بكثرة الصيام، وأذِلَّها بالجوع؛ فإن النفس إذا آلمها الجوع تخشع وتستمع وتستسلم للمعاتبة فتقبل، فإذا لم تقبل فذكِّرها بعذاب الله وسوء المصير؛ حتى تلين لك، وعندها ستجدُها تعطيك وعدًا بترك المعاصي بعد قليل، وتسوِّف لك متعللةً بقضاء بعض حوائجها.

قاوِم التسويف

إذا وجدتها تسوِّف لك وتعدُّ لأمد طويل أو قصير، فاحمل عليها حملةً شديدةً بالزجر والتذكير بعدم ضمان الأجل، وأنه لربما تستوفي أجلَها قبل أن يحين الموعد، وأعِد عليها ذكرَ العقوبات والنقم.

تحلية بعد تخلية

فإذا أذعنَت لك وطاوعتْك في قطع أسباب المعصية، فاعمل على إكسابها أضدادَ ما قطعته وفارقته؛ فابحث لها عن صاحب مرشد، بدلاً من الصاحب المُغوي، وعلِّمها الذكر بدلاً من السهو والغفلة، وألزِمها التثبت والتفكر بدلاً من الطَّيش والعجلة، وأذِقْها مناجاة الرب- سبحانه وتعالى- وحلاوة تلاوة كتابه، ومطالعة العلم، والتعرف على سير الصالحين وأخلاقهم، بدلاً من الخوض في الباطل، ومجالسة الفاسدين المفسدين.

وعندها تجتمع أنوار هذه البدائل في قلبك، ويستنير عقلك بموروثات الطاعة، ويؤيدك الله بمعونته، وتقهر أنوارُ الطاعة أهواءَ نفسك؛ فتتحول الطاعة إلى طبع وعادة.. مثلما كانت المعصية لها طبع وعادة.

إياك والعُجْب

إذا وصلَت نفسُك لهذه المرحلة من الاستقامة على طاعة ربها؛ فربما نَما فيها العُجب بطاعتها وتركها للمعصية، فازجُرها عن ذلك، وذكِّرها بنظر الله- عز وجل- إلى ضميرها، وخوِّفها بحبوط هذا العمل، وشكِّكها في قبوله.

تذكَّر ماضيَك

وإذا نجَت النفس من العُجب بأعمالها فربما وقعت في الكِبر والاستطالة على الناس لما ترى من معاصيهم واستقامتها، فتزدري العاصين وتترفَّع عليهم، عندها ذكِّرها بماضيها وما كانت عليه، وأقرِع سمعَها بقوله- عز وجل-: (كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) (النساء: 94)، وقول القائل: رب معصية أورثت ذلاًّ وانكسارًا خيرٌ من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا، وخوِّفها من خاتمة السوء؛ حتى تعرف قدرها وتنفيَ الكِبر عن ضميرها.

ولكن لا تعتقد أن هذه هي النهاية؛ فكما يقولون: إن الوصول إلى القمة سهل، ولكن الحفاظ عليها هو الصعب، فيجب أن تكون على حذر دائمًا، وأن ترعى نفسك وتهذبها دومًا مما يعكِّر عليها صفوَ الطاعة؛ حتى تظلَّ على هذه الحالة من الاستسلام والانقياد لله- عز وجل- والنفور من معصيته.

Thursday, October 4, 2007

المستلزمات التربوية لجيل التحدي

الملاحظة الأولى: نسبية هذه المواصفات:

هذه القضية تُبحث بطريقة نسبية، حسب المرحلة التي يكون فيها العمل الإسلامي، والمكان الذي هو فيه. أحيانا تكون الدعوة في بلد ما في مرحلة تأسيسية، فيكون آنذاك من اللازم التجرد للتربية، وتأصيل المفاهيم الأساسية، وصياغة خُلق الداعية الأساسي، من ثبات وتضحية وإخلاص وما إلى هذه المعاني... ولكن تجد في بلاد أخرى قد تجاوزت البدايات ومرحلة التوسّطات وصارت في مرحلة دعوية متقدمة وتواجه أعمال المؤسسات الكبيرة، هنا تكون الصفات التي يتحلى بها إخواننا من جنس آخر. لا نقول أنه لا يكون هناك حاجة إلى الإخلاص، وإلى التربية الإيمانية وأمثال ذلك. ليس هذا هو المعنى، ولكن نقول أنه يُفترض أنها حلت بمقادير وافية في جماعة العاملين، وأنه تلزمهم بعد ذلك أنواع من الكفاءات الأخرى، التي تجعل عملهم عملا مكافئا للحاجة الموجودة، فإذا ركزوا على خبرة سياسية وقضايا تنظيمية، في حين تُركّز الدعوة الأخرى التي في بلد آخر (التي هي في المرحلة التأسيسية)، على قضايا خُلقية وعلى أمور الثوابت. لا يشكل هذا اختلافا في المنهج.

هذه المسألة إنما هي تابعة لطبيعة المرحلة التي تكون عليها الدعوة، أو طبيعة المكان. أنا أتكلم عن دعاة المفروض أنهم تجاوزوا مرحلة البداية، وأنهم كُـلّفوا بمواجهة تحديات النظام العالمي الجديد، وأنهم ينزلون إلى ساحة معقدة، لا الساحة البدائية التي فيها مجرّد التربية ومجرد تزكية النفس، فإني إن خرجت عن هذه المعاني الابتدائية إلى معاني أخرى سياسية وتخطيطية لا يَخطُر ببال أحدكم أنني قد تجاوزت الإيمانيات وأنني ازهد فيها، أو لا أوصي بها، أو لا أحَبّذها لإخواني، بل طبيعة الظرف تقول أنه ينبغي أن نزيد على الإيمانيات هذه الشروط المتقدمة.

هذا استدراك لابد منه، ولا بد أن نذكر أنفسنا به قبل أن نتوغل في مثل هذه الصفات.

الملاحظة الثانية: مفاضلات جزافية:

البعض قد تكون له قدرة للعلوم الشرعية، والبعض الآخر قد تكون له طاقة للتحليل السياسي والممارسة الميدانية السياسية، والبعض الآخر قد يكون صافقا بالأسواق، والبعض الآخر قد يكون على طريقة أخرى. فليس معنى هذا أن يقوم أحد بمقام التفضيل ويقول هؤلاء يحتكرون الصواب، وأما هؤلاء فأهل خطأ، هؤلاء هم الأولى في هذا الزمن وقولهم هو المقدم والآخرون ينبغي أن يتأخروا، أو ما شابه هذا من الأقوال الجزافية.. كلا بل هم حَلقة مُفرغة ليس فيها ضلوع، على بُعدٍ مُتساوٍ من مركزها ومن نقطة المحور.. فكل العاملين للإسلام فيهم خير وفيهم نوع من الطاقة التي تتكامل.. وتلك سنة الله.

مواصفات جيل التحدي:

أنا أرى أن هناك جملة من الصفات يمكن أن يتحلّى بها الداعية الذي يواجه هذا النظام في هذا المجتمع المعقد، أولها ما أسميه: التربية على المنهجية.

أولاً: التربية على المنهجية

تعريف المنهجية:

المنهجية إذا عرّفناها لا يمكن أن تحصرها المعاني حصرا دقيقا، وإنما هي أنماط في التعامل يُدركها من يُعاني التعلّم الطويل، أو من يُعاني تنفيذ مسألة مستمرة. كيف يتناول هذا العلم؟ أو كيف يتناول تنفيذ ذلك الأمر؟

نرى أن المسألة المنهجية قضية من باب تجريبية، أي بمرور التجربة تنمو. المعنى المُهمّ الذي فيها أنني ما أهجم على الأمر هجمة واحدة، بدون أن أضع أولويات وبدون أن يكون هناك تدرج.

أسس التناول المنهجي:

التناول المنهجي يتطلّب منكم أن تضعوا:

أولا: جذور المسألة العميقة.

ثانيا: الإحاطة بالأمر الواقع بنظرة شمولية، وليس من خلال زاوية معينة.

ما أريده من هذا الواقع ليس مجرد معرفة خبرية، بل تراد لتطوير الأمر وفق مفاهيمك، ووفق مصالحك، بحيث يصب في واديك. فإذاً هو عمل تَسعى له ويؤثر في المستقبل. فأنا لا أدع المسألة تسير بنوع من التلقائية، المهم أنني وفق ثوابت فكرتي ووفق ثوابت مصلحتي أن أفهم ما هو هذا الواقع وإلى ما يُراد تطويره؟ هذا في خلاصته التناول المنهجي للقضايا.


نواقض المنهجية:

المفاضلات الأحادية:

الحذر من الدخول في المفاضلات الأحادية، أعني أنه يكون هواك في مسألة وفي جانب، فكأنك تفهم الواقع والمستقبل وفق هذا الجانب.

مثلا: ما يقال: أيّهما أهم العلم أم الأدب؟ هذا سؤال في أصله فاشل. سؤال في أصله يهدم حقيقة من حقائق الحياة. الأدب مُهمّ والعلم مُهمّ ، وهذا له مجال وهذا له مجال.

فالقضايا تحكمها النظرات النسبية، وتقيس على ذلك المسائل في قضايا الحياة جميعا.

لا بد أن نعترف بالموازين النسبية في فهمنا لطبيعة الحاجات الكبيرة، وأن بينها تكامل.. ما لم نفهم الحياة بهذه الصورة فإننا نقع في التفسير الأحادي الذي يفهم الحياة في الجانب الذي يكون هواه.

أحادية التفسير هو دائما النقيض لمسألة المنهجية، والتَّقيّد في الفهم من غير نسبيّة هو نقيض المنهجية.

قيمة المنهجية:

- المنهجية تضاعف قيمة العمل، فالعمل الذي يجيء في مكانه المناسب، أو وقته المناسب يكون أكبر بكثير ممّا لو يكون في وقت آخر.

الثمرة الكبرى لهذه المنهجية أنها توفر الطاقات، وتجعل للعمل الصغير أثرا مضاعفا.

ثانياً : التربية على كسر القوقعة والخروج إلى الحياة الفسيحة، والتفاعل الاجتماعي وتحقيق الكتلة البشرية الإسلامية الضاغطة في معترك الحياة

في أوّل تأسيس الدعوات في أقطارنا، تَعوّدنا على أن نكون بعضا مع بعض في البيئة المسجدية، وأن نعيش في بيئة تُعمّم العفاف، خاصة إذا كان هناك نوع من الفساد في المجتمع، فعلّمونا العيش الانعزالي الذي فيه حصانة لهؤلاء الشباب الذين ينعزلون، بحيث أنّه يبقى وفياً لإسلامه، وفياً لأخلاقه، فيتطبّع هذا الأخ تدريجيا بهذه الطبيعة، حتّى أنه لا يأنس بغير بيئة المسجد، ولا يأنس إلا في بيئة إخوانه الأقربين، يستروح لهم لأنه يجدُ خُلُقاً عاليا، ويُصبح كارهاً لما هو خارج هذا المحيط المسجديّ من الناس الذين فيهم مصلحيات، أو يصبح خائفا من الآخرين، إما يغرونه بفساد أو يغرونه بإلحاد وما أشبه، فيكون كما في المثل، كأنه بيضة هشة والآخرون كأنهم حجارة صلدة.

أنا لا أنكر أن هذه التربية هي ضرورة، وأنها عصمتنا في شبابنا الأول، ولكن مع الأيام الصف الإسلامي توسع وتقادم عهده وتخرجت أجيال.

لِمَ لا تُفكّر بأن الأخ الذي عمره عشرة إلى عشرين سنة في الدعوة، إذا خرج إلى المجتمع سيكون هو الحجارة ويكسر تلك القوقعات، ويكسر تلك القيود؟ !

الإسلام هو الحُجّة الأقوى في الحجج المتصارعة، وصاحبك متحصن بهذه الحجج الإسلامية القوية فلا تخف، أضف إلى ذلك أننا في موطنٍ السّياسةُ فيه تستدعي حملة ضغطٍ، وتركيز للقول، وإسناد بجمهور وافر عريض مُنساب في الساحة.

نحن بين مصلحتين أو بين مفسدتين متعارضتين، المصلحتين المتعارضتين: مصلحة أن نبقي على الدرجة العالية من أخلاقنا، ولكن في القوقعة الصغيرة المسجدية، أو البيئة الطاهرة التي نرتضيها في أي مكان، ومصلحة أكبر أن ننتشر في الأفق، ونأخذ من الآخرين الذين هم دون هذه الصفات.

ينبغي أن يكون هناك نوع من الموازنة، وأغلّبُ المصلحة الأكبر. المصلحة الكبرى تقول أن منطق السياسة لا بُدّ له من عدد وافر، ولا بد له من جماهير تتسع، فإذاً أنا أتسع بهذه الجماهير وأبقي القيود بيدي.


ثالثاً التربية على الإيجابية والإبداع

كان الداعية في زمنه الأول متلقّياً، يُراد منه حسن التلقي، يُلقى له الكلام الإيمانيّ، يُروَى له خبر الأولين، ويُراد منه أن يحسن الاستماع، ويفتح القلب لتلقي مثل هذه التربية.. هذا أمر جميل وهو الأساس في صياغة العناصر الإسلامية، لكن ينبغي أن لا ننسى أن هذه هي المرحلة الأولى (المرحلة التأسيسية)، أما بعد ذلك فنحن نريد من الأخ أن يكون هو قائلا، هو الذي يُربّي غيره.


لمّا نقول التربية بالتلقي ليس معناها فقط اللسان، أنك تقول مفردات العلم فيسمع، اليوم التربية هي عملية متكاملة فيها هذا التلقي، وفيها أيضا المسائل العملية التي تؤخذ من خلال المباشرة والمعاناة والانصباغ العملي بذلك، وفيها قضايا أخرى، أنك تدير العمل بواسطة مجموعة عاملة في مؤسسة، بنظام إداريّ، كقضية صحفية أو مشروع مشترك مع الآخرين ... فقضايا الحياة تتنوع وليست قضية التربية التلقينية هي النوع الوحيد فيها، أن تتربى من أعمالك اليومية في المؤسسة، أو تعاني معاناة في عمل صعب.. من هذه تتربّى.

إن الحياة متنوعة، وتفاصيلها كثيرة، ولابد لنا من أن نوجد نموذجا هو الذي يعرف ماذا يليق لكل حالة من الحالات، وهذا الذي نعنيه بالإيجابية، فالبعض يبقى ينتظر حتى يؤمر فيتحرك، والبعض يأخذ وَصْفات جاهزة، فإذا لم تصله الأوامر من قادته يبقى بدون حركة، يصير له سنوات طويلة في الدعوة، ولكن لا يتحرك إلا أن يُقال له تحرّك وهذه خطة التحرك، وهذا يمينك وهذا يسارك.

بالأول كان في التجنيد الإجباري في بلادنا المتخلفة يأخذون القرويين ويعلمونهم اليمين واليسار.. يقولون لهم يمين دُر أو يسار دُر، فأنذاك لا يعي هذه الأمور وهو قروي.. يمسكونه حجارة في كفه ، فيعلم أن التي فيها الحجارة اليمين، فإذا قالوا له: إلى اليمين در، بسرعة يشتغل الكمبيوتر وأدرك أن اليمين هي التي فيها الحجارة! الحجارة التخطيطية دائماً في يده، أما هو أن يكتشف الجهات الأربع وأن ينظر في السماء إلى النجوم ليقود نفسه كما يقود نفسه الغزال أو الذئب بالفطرة التي هو عليها، ما يستطيع ذلك... كلا أيها الإخوة .. الإيجابية مطلوبة عندنا .. أنت نقطة البداية والنهاية في هذا العمل .. أنت عالم مستقل بذاتك، لو فرضنا أنك في جزيرة وحدك أتنتظر رسائل وفاكس وتلكس ليقال اعمل كذا وانظر كذا...

المبادرة الذاتية والإيجابية والابتكار والاختراع ونفسية التملص من الحصار ونفسية التمرد على الواقع المتخلف ونفسية الاستشراف.. هذه أخلاق أساسية في تكوين خلق الداعية المسلم اليوم. و إلا يكون طبعه من نسخة واحدة متكررة.. نريد العنصر الذاتي المنوع في ابتكاراته.. وكم وضع بعض الناس في أماكن يخدمون الأمة بكاملها من خلال المبادرة الفردية، والقضايا في هذا والتمثيل يمكن أن يستطرد ولكننا محدودون بالوقت.

أنا قد كتبت سابقاً في القصص الإسلامية، بطولة حسين رؤوف قائد البارجة الحميدية في حرب البلقان سنة 1912م، وهو في الأسطول العثماني، لوحده اخترق الحصار البحري اليوناني وذهب إلى ميناء يسمى ميناء سييرا وفعل فيهم ما فعل لأنه فاجأهم في الخطوط الخلفية، دمر الميناء.. ثم قفل راجعاً، لم يعترضه أحد، ولكن لا يستطيع فك الحصار مرة ثانية، فرجع إلى الإسكندرية، ثم إلى بيروت طيلة مدة الحرب حتى انتهت، فجاء إلى الدردنيل وإلى البوسفور ظافراً مظفراً واستقبلته الأمة كبطل تاريخي، وصار بعدئذ وزيراً للبحرية في أيام الحرب العالمية الأولى، ثم لما صارت النكبة على الأمة واحتلت بلاد الإسلام، عمل مع مصطفى أتاتورك على تحرير بلاد الإسلام من اليونان والجيوش الإنجليزية.. دارت حروب كان بطلاً فيها، فصار رئيساً للوزراء في تلك الأيام، ثم لما أراد أتاتورك إلغاء الخلافة، تمرد عليه وأبى، وقال أنا مسلم ولا يمكن أن يكون ذلك، فاختلف معه وعاش طيلة حياة أتاتورك منفياً في باريس، فلما مات أتاتورك سنة 1936 ، رجع إلى تركيا ولما رجع إلى تركيا وجد نفسه معززاً مكرماً مرة ثانية، فعينوه سفيراً لتركيا في بريطانيا.. بقي سفيراً طيلة الحرب العالمية الثانية. يقول: تشرشل يحاول إغرائي، لأقدم تقريرا إلى حكومتي للموافقة على دخول الحرب إلى جانب الحلفاء، ولكن كنت أرى أنه لا مصلحة لتركيا في ذلك وأريد أن أحفظ بلادي. وفي الديمقراطية التركية أن البرلمان لو أراد شيئا ولم توافق الجهة المختصة فإنه لا عبرة لهذا القرار.. يقول: أن تشرشل عمل العمل الكثير على إغراء نصف البرلمان أن يوافق بالرشوات ، قد وافقوا على دخول تركيا الحرب ، يقول : ولكن تقريري لم يتبدل وجنبت تركيا الحرب ، وبقيت طول الحرب على الحياد وأخرجها سالمة من براثن الحرب، وما استطاعوا أن يفعلوا شيئا ، يقول : حتى تشرشل دعاني ودعا كثيرين وعمل وليمة وقام وخطب ومجدني تمجيدا عظيما على أمل أن أنصاع، وأكتب تقريري بدخول تركيا في الحرب، ولكن لم أفعل ذلك...

دعك من البطولة الأولى، لكن أنظر مقامه في الإباء إذ هو سفير، كيف أن موقف رجل واحد، قد عصم الأمة من تردي اقتصادها، وعصمها على أن تكون وقود حرب، وعصم نفوسا وأرامل وأيتام، وجنب تركيا مزالق السياسة ومتاهاتها في تلك الأيام، وهو فرد واحد.

هذه نسوقها، ولو هو مثل كبير، والداعية قد يزدري نفسه ويقول: لست بسفير ولا بطل وما عندي بارجة حميدية... لا، نحن نسوق الأمثال والقصص لا لتكرر ولكن في متقارباتها، ما تدري أنت ما يخبئ لك القدر.. أتظن في نفسك أنك جرم صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر. كما يقول الشاعر.

أنت عالم كبير أيها الأخ، وعزيز بإيمانك، ويمكن أن يسهل الله عليك أن تكون في موطن من المواطن التي تملأ بها الأرض عدلا كما مثلت جورا، تملأ فيها الجامعة أو المؤسسة التي أنت فيها منهجية وأخلاقا وتوفيرا للأموال بعد تسيب وتهور ولا أبالية، يمكن أن تكون أنت مثالا للشباب، في أيام انسحاب وهزيمة وفتور.. يمكن أن تكون أنت مثالا لابتكار مشروع إنمائي ناجح إذ الأموال في العلم الثالث تهدر وتحوّل لهم طبيعة استهلاكية أمريكية، هي من متممات النظام العالمي الجديد. أنت كبير بمقدارك، تستطيع فعل شيء كبير لدعوتك ولأمتك. لا تزدري نفسك، لو نظرنا إلى أنفسنا أننا نقاط بداية ونهاية، وأننا يمكن أن نفعل الشيء الكثير، لأذن لنا ذلك، والحياة ما هي إلا شيء منك ومن أبناء عمنا وخالاتنا وجيراننا ومعارفنا الآخرين. من هم الذين يقودون الحياة؟ لم تفترص أن الأمير الفلاني أو الديكتاتور الفلاني... في ظل الديكتاتور أستطيع أنا أن أعصم البلاد من أشياء كثيرة، كعمل هذا الرجل الذي قلناه حسين رؤوف صاحب البارجة، أو غيره وغيره.

رابعاً : التربية على الأصالة الشرعية والتوسع في العلم

هذه المسألة كثيرا ما ينساها دعاة الإسلام، يعرفون من الإسلام العناوين المهمة، يعرفون من الإسلام العاطفة والإيمانيات الدفاقة، ولكنهم لا يذهبون إلى أبعد من ذلك بتعلم الموازين الشرعية والقواعد في تعارض المصالح والمفاسد، وفي سدّ الذرائع وحكم الضرورات وفي رفع الحرج وأمثال ذلك مما قاله الفقهاء، وأن هذه المسائل بعضها ثوابت شرعية لا يمكن التنازل عنها، وبعضها متغيرات يمكن أن يتعدد فيها الاجتهاد، حسب الزمان والمكان والظرف والمصالح... كما قال الفقهاء.

هذه القضايا والتمييز بين الثابت والمتغير لا يأتي إلا بمطالعات شرعية متعمقة وليست في كلمات يسيرة تؤخذ من أفواه المتكلمين. في المؤتمرات نأتيكم ساعة ونتكلم وتطربوا لهذا الكلام ثم لا شيء بعد ذلك. كلا حَنيُ الظهور فوق هذه الكتب العلمية الشرعية ذات الأوراق الصفراء القديمة التي بدأ البعض يزهد فيها هو مظنة وجود العلم النافع ومظنة وجود الأصالة في التلقي.

هذه القضية أكبر أمثلتها أيها الإخوة ما جرى من هذا الزلزال في الخليج.. قضية الكويت، لو كان عند الجميع الأصالة الشرعية التي تميز معنى العدوان، وتميز معنى الأمة الإسلامية ووحدتها، وتميز معنى الاستعانة بالمشركين وعدم جوازه وأنه لا يجوز إلا في الحدود الضيقة من استعمال سلاح أو استخدام دليل أو ما شابه ذلك... لو اتفق جميع الإخوة وقتها على هذه المعني، وهي مبثوثة في الكتب، ميسورة لمن شاء، بمدة يد قصيرة واحدة إلى أي رفّ في المكتبات الشرعية تستطيع أن تستخرج هذه القضايا، لوفر علينا جهد كبير ولاصطلحت القلوب، ولما حصلت التعكيرات ولما تبدلت القلوب بعضها على بعض.. ما حدث ماهو إلا نوع من هجران هذه العلوم الشرعية وعدم الركون إلى الأصالة.


المسألة أبعد من ذلك وإنما هذا المثل الصارخ الذي أتينا به، وإنما نحن في أيامنا وليالينا.. عمل اليوم والليلة يحتاج إلى شيء كثير نعرف به مثل هذه التفصيلات في الأصالة..

طريقة التربية مثلا، على ماذا تربي وما هو الثابت والمتغير في المعاني الإسلامية الأصلية في القضايا التربوية وتزكية الأرواح وما إلى ذلك.

القضايا التي هي أبعد من التربية، مسألة الفكر، من نحن وما فكرنا؟ وبأي الموازين نزن الأفكار الأخرى المطروحة كالرأسمالية والقومية والديمقراطية والشيوعية وغيرها؟ نعرف فقط أن الشيوعية لأنها إلحاد صارخ أنها من الحرام ، ولكن لا نميز ما في ثنايا الديمقراطية من مشابهة في معاني الحرية بينها وبين الإسلام، أو بينها وبين الرأسمالية ساحة مشتركة في الحرية الشخصية في استثمار الأموال، ثم لا نميز ما فيها من معاني الربا ومعاني الاحتكار ومن معاني أخرى تخالف قضايا الإسلام... ففكرنا الذي نطرحه يراد أن يعتصم بهذه الأصالة، وعملية التأصيل، بينت الأيام أنها كانت ضعيفة في ساحتنا الدعوية، بعد أن كنا نظن دهرا أنها قوية وأنها وافرة وموجودة بالمقدار الكافي. بينت أحداث الكويت أنها لا. موجودة بمقدار ناقص، وفضحنا فضيحة ينبغي أن نتوب منها، وينبغي أن نرجع إلى تعلم أصول العلم الشرعي وأن نجعل هذه المسألة بابا لمحاسبة النفس وبابا لاستدراك الأخطاء، وليس من عيب في ذلك. العيب هو الإصرار على الجهل.. حاشاكم. ولكن مسألة الأصالة ما تزال ديدن المربيين، وألفت مؤلفات تعين على ذلك، ومن آخر ما رأيت من الكلام اللطيف لأخينا عصام البشير في مسائل شرح الأصول العشرين والأستاذ جمعة أمين كتب في شرح الأصول العشرين أيضا أشياء لطيفة في هذه القضايا، وكتب الأستاذ علي عبد الحميد محمود في فقه الدعوة إلى الله أشياء من هذا القبيل، وكتب آخرون من مجموع كتاباتهم يمكننا أن نتعلم المعاني الأولية للأصالة، وفي كل كتب الفقهاء والتراث القديم زيادة وتفصيل آخر نرشح لكم أن تقرأوا فيها كائنا ما كان المذهب، كن شافعيا أو كن مالكيا . ستصل في النهاية إلى نتيجة واحدة ورؤية مشتركة.

Wednesday, September 26, 2007

لُكَع بن لُكَع.. إلى أين؟ - د. توفيق الواعي



اللكع عند العرب هو اللئيم الوسخ القذر المستعبد، وهذا الصنف من الناس هو الذي يلوث المجتمعات ويصيبها بالإحباط، ويزرع فيها الخراب والظلم وعدم الاستقرار، ويطمس فيها كل معنى عظيم كما يطفئ ويريق البهجة والسعادة في محيطها الجميل، وهو مع هذا وللأسف تراه يتمتع بخبثه ويهنأ بلؤمه وقذره وانحطاطه وتبعيته، فهل تظن بعد ذلك أن دنيا الناس تدوم مع خبثه أو تبقى أمة من الأمم مع صدارته؟

لا والله، وألف لا، ( والله لا يحب الفساد(205) ) (البقرة)، (والله لا يهدي القوم الفاسقين(5)) (الصف)، وذلك هو الذي أهلك الأمم قبل ذلك (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين 54) (الزخرف)، هذا في شأن فرعون، أما في شأن قوم نوح (وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين 46) (الذاريات)، ثم قال ربنا فيهم وفي أمثالهم: (فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون 40) (العنكبوت).

إذن فعلى أيدي هؤلاء يكون الخراب والدمار، يوضح هذا المعنى رسول الله ص في قوله: لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع. إذن فساعات خراب الأمم لا تقوم إلا على أيدي هذا اللكع الذي لا شرف له ولا نخوة ولا خلق ولا إحساس، ولا عزيمة، وتجده مع هذا أسعد الناس، مات ضميره، وطمست بصيرته وباع دينه وحطم الجميع، وهم اليوم كثيرون، قد ابتلي بهم العديد من الأمم.

فيا أيها اللكع: فلسطين الجريحة تئن كل يوم وأنت تسمع عويل الثكالى ونياح العذارى وعويل الشيوخ وأنين الجرحى، وترى أشلاء المدمرين، ودماء المذبوحين وتنظر إلى المنازل التي هدمت فوق رؤوس أصحابها، والبلاد والنجوع التي أزيلت من الوجود ونعقت فيها الغربان، والحصار الذي أجاع الكبار وأهلك الصغار وخرب المزارع وقطع الأرزاق وبدد الأقوات، حتى بلغت الروح الحلقوم، وأنت هانئ سعيد، تسمع الأغاني الداعرة وتتسلى بالإعلام الفاضح، وتبدد الأموال هنا وهناك، ولا ترى أو ترعى في الناس إلاًّ ولا ذمة، ولا يحس كبدك الغليظ ألماً، أو يتغير مزاجك المتيم شعرة واحدة!

أيها اللكع: هل أنت حي فعلاً، أو موجود حقيقة؟ وإن كنت تظن أنك حي، فما دليل حياتك وعلامة وجودك؟ وقد صدقتني اللغة العربية التي قال أحد فرسانها:

ليس من مات فاستراح بميت ** إنما الميت ميت الأحياء

انما الميت من يعيش كئيباً ** كاسف البال قليل الرجاء

وصدق الله: (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) (الأنعام:122).

أستغرب يا لكع أن كل الدنيا تبكي لمصابنا ومصابك، وأنت لا تبكي على نفسك ولا على مصاب الأمة، وأن تقوم الدنيا وتقعد، ويهب الناس من كل حدب وصوب وفج عميق، جزعاً لما حل بنا، وأنت بارد خنوع مستسلم، ترفع الأيدي والأرجل وتمد الأعناق وتحضر السكين لتجهز على الضحية التي هي أمتك، بدون أن تدمع لك عين!

أكباد العالم تفتتت، وعيونهم تقرحت، وحناجرهم بُحت، وأنت تشرب المدام وترى القيان وتراقص الحسان:

تبكي علينا ولا نبكي على أحد ** فنحن أغلظ أكباداً من الإبل

هل ترى هذا أيها اللكع أسلوباً ترضاه حتى الحيوانات العجماوات التي تدافع عن صغارها، والطيور التي تدافع عن أعشاشها وتذود عن حماها؟ أي فشل هذا، وأي داهية تلك؟ وهل يا ترى كلامي هذا سيصل إليك؟ وإن وصل هل تشعر لبرهة به؟

فالفاشلون إذا غدوت تلومهم ** حسبوك في أسماعهم تترنم

هل تظل تترنم يا لكع، حتى وأنت تسمع أن الخراب يحيط بك، ويطرق بابك؟
العدو نفسه يصرح بذلك، ويقول لا بد من أن يغير حالك وأن يأخذ الخيرات وأن يعيد الترتيب بما يخدم أغراضه وأغراض الكيان الصهيوني الطامع في دحر الأمة!

وهل سيظل لكع يتقاتل ويتشاتم مع لكع آخر، ليزيدوا الأمة فرقة ونكبة على نكبة، ووهناً على وهن، تمهيداً وتوطئة للاحتلال المرتقب؟

يا لكع: إن العدو يحرضك على إخوانك ويطمعك في أمتك، حتى تنبذك الأمة وتكرهك القلوب، وتلعنك الألسنة وتود الخلاص منك على عجل!

الخاسر هو الأمة والذاهب هو ريحها وعزتها وكرامتها وخاماتها واقتصادها ومستقبلها، ومع هذا فلكعاتنا يحبون قاتليهم ويهيمون براكليهم بالأحذية ولا يريدون سماع ما يغضب الحبيب، ولا يريدون أن يشموا ما يزكم الأنوف ويلوث الأجواء عنهم في الحديث والقديم.

ولكنني يا لكع أقولها لك وأعلنها داوية عالية أن الأمة الإسلامية منتصرة بإذن الله وعزيزة إن شاء الله وستكتب تاريخ كل لكع بالسواد مكللاً باللعنات ليكون لها عبرة وذكرى. وصدق الله (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال (إبراهيم). نسأل الله أن يذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور رحيم، آمين آمين.

-----------------------

نقلا عن مجلة المجتمع

Tuesday, September 25, 2007

سِهام مُحارب

قصةُ لَيْلَةِ حِلفٍ بين حاضرٍ وبادٍ ... تكشف الخلجات النفسية التي تقود حركة الحياة
بقلم وريشة
أ. محمد أحمد الراشد
سَيّارة الدفع الرباعي تنهب الأرض نهبا ، في أرض مستوية بين جبال جرداء جنوب الرُّبْع الخالي من جزيرة العَرَب ، وسائقها الماهر اُسامة الخفاجي سكرتير الراشد يتطلع فاحصاً ما حوله ، رانياً نحو القِمَم ، يريد أن يفهم حركة الحياة كما أوصاه اُستاذه ، من خلال السياحة الواعية ، والإيغال في البراري ، والمغامرة ، وإبداع التعامل النفسي الرفيع مع خَلْق الله ، من صخرة ونبتةٍ وظبيٍ يُنبيه خَبرَ الفِطرة والأصالة البريئة من تلّوثٍ وتصَنُّعٍ وتكلّف ، وإذ هو في تسبيحه المستوعب يلمح شبح رجلٍ يتربع على صخرة كبيرة ، فيخفض سرعته لئلا يؤذي الرجل بغبار سيارته ، مستحضراً على الفور وصايا اُستاذه ، فلما أن قارب الصخرة وأشار بالسلام : إذا به يلحظ برُغمَ البُعد صورة صناعة الحياة والباب المفتوح القديم المطل على ساحة الحضارة ، فضغط على الكابح فورا ، ووقف غيرَ مُصدِّق ..
- أأنا واهمٌ ، أم في حُلمٍ ، أم في حقيقة ؟
في الصحراء ، بين جبال عُمان ... تصنع الحياة ! !
من هذا الذي يُنافسني في الخير في أرض الأحقاف يقتفي آثار هُود ؟
- السلام عليكم أيها البدوي الذي يصنع الحياة !
وعلى تلميذ الراشد السلام ! تعال استرح .
- الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، أأنتَ من جنّ عُمان الذين نسمع عنهم ، أم أنت ساحر ؟ كيف عرفتني ؟
- وهنا يتراجع أسامة إلى الوراء بحذر ، ويستولي عليه خوف شديد ، وتتسارع نبضات قلبه ، ويعود إلى مقعد سيارته لينجو من المأزق .. فيبتسم البدوي .
- عُذ بالله ، لا تخف ، قل بسم الله واقترب ، أنا إنسي مثلك ، وأنا أخوك في الدعوة إلى الله ، وشريكك في فهم مُراد الراشد !
- بسم الله ، لكن كيف عرفتني ؟
- عرفتك بالذوقيات التي تلتزمها ! !
- كيف ؟ وما هي ؟
- حين اقتربت بسيارتك : أبطأتَ جداً ، لئلا يؤذيني الغبار المتطاير ، وذلك ذوق رفيع منقرض لا يفعله غير سائق قرأ رسائل العين والتقرير الميداني وتلمذ للراشد !
- فهدأ أسامة ، واطمأن ، وشرع يتعوذ بالله ، وينزل ، ويتقدم ، ويقوم له البدوي مُصافحا ، وكأن صداقة عريقة تربطهما ، أو بينهما وشائج اُخُوّةٍ كأنها مِصرية في عمقها .
- وما أخبار الراشد في محنته العراقية ؟ وكيف هو ؟
- مسكين ، قد أرهقه التعب والقلق وقِلّة من يفهمه ، وقد أطْلقَ المبتدأ ، وطال انتظاره للخبر ! !
- لا حول ولا قوة إلا بالله .
- وهو يُحدثنا اليوم في مجالسه في مركز المسار بنبأ النُبوّات التي خذلتها أقوامها ، كأنه يعني الإسقاط على حاله، وكأنه مؤذنٌ قد صَحِل صوته من علو النبرة والمدود ، ثم لا يجد في صف الصلاة كثير عدد ، مع خللٍ واعوجاج .
- آمنتُ بالله .. أفما تكون منك تسلية له ؟
- نعم .. سلوته في الجهاد العراقي ، وبه ما زال مرفوع الرأس ، وذبذبات الأمل تغريه .
- الحمد لله .. ذلك الظن به .
- دعني أروي لك نادرة من الفكاهة حدثني بها أبو نور بالسند العالي عن أبي أحمد عن نبيلٍ ببغداد قال : أثقلتني الهموم ومناظر القتول ومحنة أهل السُنة والجماعة في العراق ، وأوهام خوارج العراق الجُدد الذين يتهمون بالكفر مَن يتصدى لرفد الجهاد بمشاركة سياسية تقلّل الشرور ولعلهم يقتلونه عدواناً وجهلاً بالتخطيط والمناورة ، فخرجتُ إلى شاطئ دجلة لعلّ نسياناً يعتريني فيلهيني عن الآلام ساعة ، فوجدت قارورة ، ففتحتها ، فخرج عفريتٌ من الجِنّ .
- يعني مثلي ، هو ابن عمي .
- فضحكا ، حتى أثملتْهُما رقائق الانبساط وزوال الكُلفة ، كأنهما تداولا علاقات القلوب أباً عن جَدّ .
- قال النبيل : فقال الجنّي : لبيك ، اطلبْ ، عبدٌ بين يديك ! !
- سئمتُ عيشَ العراق ، حيث الطائفية والعدوان بعد دهرٍ من الحروب والحصار ، فاصنع لي أيها الجِنّي جِسراً أعبرُ عليه من بغداد إلى الصين ، فلربما أجد هناك أمناً وسَعة !
- نعم ؟ تورطتُ فقلتُ لك : اطلب ما شئتَ !؟ لكن يُفهم الكلام بالإنصاف، هذا شيءٌ صعب ، فاطلب ما هو أخفّ عليّ.
- طيب : اجمع لي عشرة من أهل العراق عُقلاء اُشاورهم في مستقبل العراق ، وأسبق بهم أصحاب الدراسات في استشراف المستقبل .
- قال الجني : أفندم ، مولاي : كم طابقاً تريدُ جسرك إلى الصين ؟
- فضحك جنّي عُمان حتى استلقى على قفاه .
فقال أسامة :
- ضحكتك تذكرني بسماحة أهل العلم ، فقد روى لي الراشد قال : كنتُ جالساً في ظل حديقة دار شيخ الكُتُبيين زهير الشاويش بالأشرفية ببيروت أحاور شيخ السلفية محمد ناصر الدين الألباني ، وفي الحديقة مُهرٌ أهداه مُحبٌ لزهير ، فأراد رجل كلّفه زهير أن يروّضه ، فجمح به وألقاه ، فسقط وتكشّف ، فضحك الألباني ، حتى استلقى على قفاه ، ويريد لنفسه أن تهدأ فلا يستطيع .
- نعم ، هكذا أهل العلم ، ولستُ مع العُبوس .
- عفواً : أنساني الفرح بلقائك عن السؤال عن اسمك .
- أنا محارب بن قيس الحِمْيَري .
- وأنا أسامة الخفاجي ، سكرتير الراشد .
- سُبحان الله : إن خفاجة أولاد عم عُبادة الذين منهم بنو عِزّ الذين منهم الراشد ، وترجعون إلى قيس عيلان ثمّ إلى مُضر ، وهناك من ينسبني قيسياً ، فنكون الثلاثة تجمعنا القربى .
- سبحان الله ، وتلك وشيجة تؤكد وشائج الإيمان الذي يجمعنا .
- لكن : ما الذي جاء بك إلى هذا القفر البعيد ؟
- روح المغامرة ، وابتغاء تقوية النفس ، وتحريك الإبداع ، وتنمية العقل ، وإتاحة التسبيح للقلب إذا رأى غرائب الخلق ، وأنا تلميذ الراشد ، وهو يحثنا على السياحة المنهجية الواعية ، ويروي لنا فقه الرازي في تحبيذها ، فقطعتُ سبعَ صحراوات بسيارتي هذه ذات الدفع الرُباعي ، وكأنّ نصف نجاحي قد تحقق برؤيتك ، وأنا في طريقي إلى صلالة ثم إلى اليمن ، ومنها أصعد إلى مكة موسم الحج ، ثم أرجع إلى العراق أقصّ لهم القصص .
- ما شاء الله ، رَبّ تمّم بكل خير .
- سياحتي ليست غريبة ، إنما الغرابة في أمرك : أن تكونَ في الصحراء ، بين الجبال ، وحيدا .
- كلا ، لستُ فريداً ، بل معي أهلي وعيالي خلف ذاك الجبل ، وأنا مهندس ، ومتخرج من أميركا ، وأعرف دروب صناعة الحياة ، ونبَضات حركتها ، وفقه الراشد هو الذي أخرجني إلى هنا ، كما أخرجك ، وأنا نذيرٌ للأمة ، لكن من خلال منظري الصامت ، لعلّ جيل المسلمين يَقْتَدي ! !
- كيف رحمك الله ؟
- مَرّةً قال لنا الراشد في دروسه أنه لما كان صبياً : كان له شقيق يضع بين يديه مجلة الأنصار لعبد القادر حمزة نقيب الصحفيين بمصر ، قبل ستين سنة ، ويطلب منه أن يطالعها ، وهو والد كريمان حمزة الإعلامية المعروفة في التلفزيون المصري والأولى التي ارتدت الحجاب في الوسط الإعلامي ، وقد رَصَدَ حمزةُ نفسَه عبر مجلته للنِذارة من خطر التغريب الغازي ، في الفكر والأخلاق والأذواق ، ورأى العصمة من ذلك إنما تكمن في العودة إلى البداوة والأصالة من أجل الحفاظ على مقوماتنا الشخصية ، وأنا قد درستُ في أميركا ، ورأيتُ تفاهة تربيتها وفكرها المادي ، فندبتُ نفسي لتحقيق أحلام حمزة ، واخترتُ الصحراء والصيد والقوسَ والنبال ، ترويجاً لأسلوب البداوة الأول ، وتصويراً للنقاء ، والمبالغة في البُعد عن التلوث بماديات الغرب ، واليوم إنما تريد أميركا من استعمارها للعراق أن تنشر فكرها ومناهجها التربوية قبل أن تكون طامعة بالنفط الذي تركتَه وراءك في العراق والخليج ، وأنا أريد أن أقوم بتفهيم المسلمين أشكال هذا الخطر .
- لكن يا أخي الهمام : هذا شعور طيب أظنه يتمثل بآلياتٍ خاطئة ، فإن الراشد واضح في دعوته إلى التربية من خلال دواليب الصناعة وصليل حديدها ، ووزّع الدعاة على ثنايا صناعة الحياة وثغراتها ، فلم يذكر فيها البداوة ، وآخر فقهه في رؤاه التخطيطية يدعو إلى التنمية الشاملة وجعلها شُغلاً دعوياً ، فكيف استنبطت الرجعة إلى البداوة ، وكيف اجتهدت خلاف اُصول الاجتهاد ، ولو صرنا في البادية فمَن يصاول العلمانية في الحواضر ؟ ومن يُبشر وينذر في ساحة السياسة ووراء الأروقة ؟
- بل أنا على هَدي الراشد وفهمه ، وأنا تابعٌ وفيّ ، وقد ذهبتَ بعيداً عن فهمِ مُرادي وأسلوبي وإبداعي ! بل سَنَدي يمر بابن الطلب الشنقيطي الذي أحيا سُنن الشمّاخ بن ضرار في الصيد بالقوس ! !
- كيف تتوافق مع الراشد وأنتَ على هذا النحو ؟
- لستُ أدعو إلى بداوة الدعاة ، لكني أرى أن تتمثل البداوة والصيد ورجفات الأقواس ورشقات السهام في شخص من الدعاة ، يجمع معاني الأصالة ، ويقوم منظره شاخصاً واعظاً مربياً ، والغزلان من حوله مضرّجات بدمائها ، فينتصب الشاهد الذاتي الرافض للميوعة والتطبيع ومخادعات السلام ، وتلك صنعة من فنون صناعة الحياة لابدّ أن يسوق لها القَدرُ أصيلا ، فكنتُ أنا السابق ، اُربّي بمنظري ، كما كان ذاك التابعي القديم الذي بنى صورة حصنٍ صغير وربطَ عنده فرسه ولبسَ درعه : يُحيي معنى الجهاد ويصنع دعاية للغزو ، فكان خطاً خلفياً لإسناد الخطوط الأمامية .
- معنىً عظيم في ربطِ الخَلف بالسلف ، والحاضر بالماضي ، ويدع المبدعَ يستمد من التراث ويبقى أصيلاً إذ هو يتجول في ميادين العلوم ، ويدرس فيزياء الكم ودقائق الذرّة بنفسية الشمّاخ الشامخة .. عظيم .
- الحمد لله أنك أسرعتَ فهمي .
- تربية الراشد .
- صدقت ، وإني لفي شوقٍ إليه .
- ولكن ما هذا العود الذي في يدك ؟
- غصنٌ من شجرة نبْعٍ استجودته في هذا الجبل ، أريد أن أبري منه قوساً جديدة ونِبالا ، فإن عيالي جياع ، وها هنا وراء ذلك الجبل غدير ماء ترده ظباء المها ، ولي ركن أتسلطُ منه عليها ، فما يخطؤها سَهمٌ إن شاء الله .
- ما شاء الله ، واقبل مني هذا الهاتف النقّال هدية ، فأنا أحمله احتياطاً ، وعليه رقم هاتفي الآخر ، فاتصل بي ، وليدم تشاورنا عبر الهواتف ، واسمح لي أن أغادر إلى صلالة فإني على موعد هناك .
- بل اصحبني إلى خيمتي لتناول العشاء .
- شكراً ، فالموعد يشغل بالي .
- إذاً إنّ صلالة على بُعد ساعة واحدة ، وإنك تصلها إن شاء الله قبل الغروب .
- فتعانقا ، وتواصيا ، وانطلق أسامة جنوبا .
وجلسَ مُحاربٌ على صخرته يفكر في هذا اللقاء القَدَري ، وإذا به يجد نفسَه أمضى عزماً وأعمق إصراراً على أن يقوم شاخصاً بين دعاة العالم يتجرد لمهمته الإبداعية في إحياء فقه البداوة وقنص المها ، وكأن الله ساق له من أرض العراق من يشهد لصواب مذهبه وتأويله ، فهو يعرف ما يُريد ، وغايته واضحة ، ومبتغاه أن يُحرك الحياة بذبذبات أوتار الأقواس ، على أنغام أزيز ريش السهام حين تهتز قاصدة أهدافها ، وإنما ذلك تمهيد لعلو التمني ، وإقرار لصفاء المعتَقَد ، وإظهار لتجريد الوجهة ، وتبسيط للوسيلة ، ورجوع إلى الفطرة ، ونقض لغرور العولمة وتبخترها ، وبراءة وطهارة من غبار الاختلاط بكافر ، ومفاصلة مع دعيٍّ وكاذب ، ثم هي خلوة تتيح الفكر الحر ، واستقلال الموقف .
وانطلاقاً من هذه الخلجات بدأ ينحت قوسه من غصن النبع الذي اختاره ، وقد مَلَك عليه القوسُ جميعَ نفسه واهتمامه ، فهاجت أشواقه ، ونمَتْ حاسة العِزّة فيه ، وامتلأ ثقة ، واعتداداً ، وأيقن أنه يملك المستقبل ، لأنه مع آلة الذود تصادِقُه وتصدّقُه ، وارتفعت وتيرة تصاعد العزم لديه ، فجرَت على لسانه أبيات شعرٍ لم يصبر أن ينفردَ بها ، فضغط على أزرار هاتفه ليتصل أول اتصال بأسامة ..
- أخي ، ما عُدتُ أصبر على حبس المعاني في صدري ، فاسمع ترانيمي ..
يا رَبّ سدِّدني لنحتِ قوسي
فإنها من لّذّتي لنفسي
وانفع بقوسي وَلَدي وعِرْسي
أنحَتُ صَفراءَ كلونِ الوَرْسِ
كَبْداء ليسَت كالقِسِيّ النُكسِ
- الله .. لقد هزَزتَ أوتار قلبي ، وأثرتَ كوامنَ عقلي ، وأيقظتَ في داخلي فقهاً تعاهدنا عليه يحدونا نحو الاستعداد ، وقياس موقعنا من المحيط بالقوس ، وإنك أيها الميمون لعلى صراط مستقيم ، فإن الانحناء وشدّ الوَتر قانونان في توليد زخم الحركة وحفظ نبضها في المسار العدل ، وإنا لنمضي ، فإذا وجدنا مانعاً معترضاً : التففنا ، واستدرنا بزاوية الرُبع والثلث من أجلِ أن تستأنف الأرباع والأثلاث توغلها مستهدية بفقه الدائرة المنحنية الحانية الحريصة على ما تحوز في داخل محيطها ، وإنك يا محارب قد استرسلتَ معَ الفطرة ، وأحييت فقه الأقواس ، لتتيح لنا فهم المعادلة وجذورها الرياضية ، فاثبت على هذا الديدن ، وهذا تلقين لنا ، وإقرار منك ، وتحفيز ، وتوكيد ، ودفع في طريق فهم حركة الحياة عبر إسقاط قوانينها الكلية على ظواهرها الجزئية ، واستنباط المعاني من خلال رؤية العلاقات بين الأجزاء ، ونحتك لعود النبع هو الأصل لحشد الإلقاءات النفسية الجياشة في قلب حرّ ينحت منطق الاستبداد بدلائل الحرية المندمجة بنزعة القوة .
- وينتشي محارب ، وتأخذه هِزة ما عرف مثلها من قبل ، ولا ذاقها ولا توقعها ، وامتلأ يقيناً أنه على الدرب ، وتَحمِلُه نشوته على أن يمد يده إلى بقايا عود النبع ، فبرى منها بشفرته خمسة أسهمٍ بديعة أعجبته ، وهَمَس جمالُها في سمعه بمعنى ردفته المعاني ، وغرست رشاقتها في قلبه نبعاً يانعاً يمنحه نقلةً واثقة نحو المستقبل ، فتزاحمت القوافي على فيه ، والتقط هاتفه ..
- أخي .. لو كنتَ معي لرأيتَ هيبة أسهمٍ خمسةٍ اقْتَرَفَتْها أناملي ، فاسمعْ وصفها وقولي فيها ..
هُنّ ورَبّي : أسهمٌ حِسانُ
يَلَذُّ للرّمي بها .. البنانُ
كأنما قَوّمها ... ميزانُ
فأبشروا بالخِصبِ يا صِبيانُ
- أحسنت ، زادك الله فصاحة ..
إني استطيع تمييز ما يختلج في صدرك ..
إنها أثقال الوعي ، وضرائب الفهم ..
ستُقلقُكَ خواطرك وتنفضك ..
لكنها ترسو بك إلى مُستقَرّ ..
إنها حيصة إبداع الأسير .. حين يبحث عن مَخْرَج ..
وآمال الكسير .. حين يحتاج الركض ..
وسَعة الحثّ .. إزاء ضيق اللبث ..
ونحن نَدري صفةَ عملنا ... ونداري ..
خُططٌ حِسان ... صاغها فِكرٌ منهجي ..
ورَمياتٌ نفسية .. تنطلق تتْرَى ..
ذاتُ أساليب .. نوَّعتها الألوان ..
وصقلتها تجارب .. بعد إذ أحكمها ميزان ..
لذلك ... لمعت البشائر ..
فإن المستقبل الواعد وليد صواب البداية ..
- فكاد قلبُ محارب أن يرفرفَ مع هذه الإشارات ، واستبدّ به زهو ، فحمَلَ أقواسه ، واتخذ له موقعاً كميناً مستوراً في سفح الجبل عند موضع ورد ظباء المها ، حتى أرخى الليل ستوره وكان الظلام ، وساد السكون ، فبدأ وقع الحوافر يطرق سَمعه ، وكتم أنفاسه ، تمكيناً لها أن تطمئن وتأمن ، وهو من شدة العَتَمَة لا يرى حتى أشباحهن ، إنما هو الصوتُ فقط ، وجَلَبةٌ خفيفة ..
شدّ محارب الوَتر ، وسمّى بسم الله ، وأطلق ..
فكان الحَفيف أفخمَ نغمٍ لديه ..
ومَدّ عُنُقَه يتتبع ..
فأورى سهمُه في أحجار الصوّان نارا ..
فكانت الصدمة في دواخله أعتى من صدمة النصل بالحَجَر ..
ربّاه .. أخطأت الهدف وأنا الماهر وحليفي الإتقان ..
- : أسامة .. اسمعني .. طاشَ النَبْلُ الأول فلم اُصب ..
أسامة .. ماذا ترى .. ذهب خُمسُ ترتيبي ..
تبدّد خُمس أملي .. اضطربتْ معنويتي ..
أعوذ بالمُهيمِنِ ... الرحمنِ
من نكَدِ الجَدّ مع الحرمانِ
ما لي رأيتُ السهمَ في الصوّانِ
يُوري شَرار النارِ كالعِقيانِ
أَخلفَ ظنّي .. ورَجا الصِبيانِ
أفتني يا أسامة .. خسِرت جولتي الأولى ..
إنه نكَد الحظّ وقَدَر الحرمان .. أم ماذا ؟
- كن حَسَن الظنّ بالله يا محارب ..
لستَ الأوحدَ يواجه الحَيْرة ..
نحن بالعراق أحكمناها ، وظننا أننا استوفينا ..
فجاءت رياح .. مَزّقت الشراع ..
ولئن كنتَ رميتَ فأوريتَ ناراً فيها سَلوة .. وتومي إلى ضياء .. إنّا رَمينا .. ودَقّقنا الحساب .. فارتدّ ظلاما .. ينشر الأحزان ..
وإن كنت في حَيرة .. فنحنُ في متاهة ..
سفينتنا فيها سَبعةُ ربابنة .. يأكلهم القِرش الكوسج الأسود ، وهم في غفلةٍ مُعرضون ..
وفي آفاقنا جيلٌ هائِم .. وقاعدةٌ عائمةٌ قاعدة تترسب .. تلوكُ القول .. وتخذل المتصدي ..
إنما نحن رجال الوَسَط .. نأبى اليأس .. ونصاول .. فكن معنا على درب المثابرة .. وحاول ..
- فيستأنف محارب .. ويُعاند الإحباط الطارئ ، وينتظر ورود قطيعٍ آخر من المها بعد أن أجفلَ سَهمُه البِكرُ أولَ قطيع ، حتى إذا كان الهدوء كان وقع الحوافر يزداد ..
وإذ هُنّ يَكرعْنَ : رَنّ سهمُه الثاني ..
وإذا بالقدحة توزّع الشرر ..
وإذا بقلب محارب يتوزع ..
- يا أسامة .. أهي خَيبةٌ تظلمني ثانية فتقدح الصَّوّان ؟
أم هو ذنبٌ وراء الإخفاق ؟ لست أدري ! !
أعوذ بالرحمن من شرّ القَدَرْ ! !
أاُمْغِطُ السهمَ لإرهاق الضَرر ؟
أم ذاكَ من سوء احتمالٍ ونظرْ ؟
أم ليسَ يُغني حَذَرٌ عند قَدَرْ ؟
يا أسامة .. قد استوفيتُ استفتاء نظرية الاحتمال وأحطتُ بخبر استشراف المستقبل ، واكتلتُ من النَظر التخطيطي ، أفهو القَدَر أغلب ؟ أم تلزمني سرعة الرشق بالسهم والمبالغة في الإمغاط ؟
أجبني .. أو أمزّقُ ثوبي .. ! !
- كنْ رابط الجأش وارفع راية الأملِ ... قالها الوليد ...
رويدك .. فإنّ الحُسنى توشك أن تُنيلَ صاحِبَها إذا اتأدْ .. !
نحن في العراق قد استأنفنا بَعدَ العثرة ..
واتهمنا أنفسنا .. واستغفرنا .. وأنبنا ..
وكان في الأول مِنّا تأويلٌ ... فرجعنا إلى الظاهرية ..
واعترانا ذهول .. فالتزمْنا التحديد ...
وقَبلُ ارتجلنا .. فخرجنا إلى تخطيط .. من بعد ..
وحسُنت أخلاقنا .. وتفانينا .. وأنكرنا ذواتنا ..
لكنّ أهلنا كذّبونا .. وخذلونا .. ولاكت ألسنتُهم الفِرية بعد الفِرية ..
ربّاهم الظالم على خنوع .. واستخفهم فأطاعوه وقلّدوا ظُلْمَه .. فطاشوا في الولاء ..
لكننا نظرْنا ، فكان تشخيصنا للأمر : أنهم يحتاجون تربية ..
فأهدرنا سُمعتَنا .. وحقوقَنا ، وبدأنا نصطفي ... ونرَبّي الناس .. يُصلّون خَلفَنا ... ويصوّتون لغيرنا ..
لكننا نوينا الصبر .. لأننا نريد الجنة ، وسنبقى نستخلص من ذرياتهم مَن هو أنقى منهم .. واقرب إلى الإنصاف ..
فاصبر .. وصاول ..
- ويصبر محارب .. فإنها ليست إلا ساعة من ظلام .. ثم أصداء الحوافر تدفع أصابع يُمناه ليمسك بالسهم الثالث ، واستمكن وأرسل ، فإذا بقَدْحةٍ وشَررٍ يُعيد شرّ الإحباط ..
- يا أسامة .. أين أنت ؟ أما زِلتَ في عُمان ؟
تركتني وحيداً ... وتزعم أنك تجمع أجزاء حركة الحياة ..
عالج سكوني .. وسكوتي .. قبل جَسّ النَبَضات .. !
يا أسامة ..
ما بالُ سَهمي يُظهِرُ الحُباحِبا ؟
قد كنتُ أرجو أن يكونَ صائبا
إذا أمكنَ الظبْيُ وأبدى جانبا
فصار رأيي فيه رأياً كاذبا ! !
يا أسامة .. سل أبناءك .. أيجدون في الفطرة التي هم عليها تفسيراً بعد إذ خَذلَنا وعيُك ! ! وقد زعم الراشد .. وزعم .. فتابعناه.. أفما يكون على وَهْم ؟ أخبرني.. وإلا كفرتُ بالبداوة.. وأذهب أتطاول في البُنيان !!
- كلا يا حبيبي .. بل أنتَ المؤمن يا محارب ..
وليسَ مِن وَهم .. لكنها وطأة الهَمّ ..
مُذ أتانا ونادى في مسجد أبي حنيفة ... كان الرأي صادقا .. ! لكنها هجرةُ الناس خذلتنا لمّا أرهَقَهم الكيدُ الشعوبي ..
فلا تتطاول يا أخي .. بل امتدّ على سَنَن التنمية والرؤى الجديدة ..
وأما انحراف نبلك .. فلعلّه بسبب شدة الظلام ..
وما أرى اتهَام نفسِك .. فإنك على ذخيرة من الدين والأخلاق والمروءة ... ولي شاهدٌ من نبلك ..
اسمع يا أخي ..
الناس على وعي .. وكل لسان يلوك أمر السياسة ، لكنه الإيمان أصبح عُرفياً هامشياً لا يستمد من موازين القرآن ..
إنها تربية الفضائيات طغت على تربية المساجد ..
الناس تخذل المصلحين ..
الناس تهاجر ، وتترك بغداد للشعوبية ..
وعاةٌ .. لكن لا يريدون التضحية .. وهَالهم القتل ..
لولا النفَر ، من مجاهد وحارس صامد أمين ..
فاصبر ... وتأوّل خيراً ..
وتعال اُصارحك .. لماذا تجفلك قَدحةُ النصل ؟
أنت تراها شرَراً ..
وأنا أراها .. لمعةً .. وومضةً .. ووَعداً ... وبشرى !
- ويتوب محاربٌ .. إنه كان أوّابا ..
ويُرسل سَهمَه الرابع .. لكنها .. القَدحة !
واهاً .. واها ..
إني لشؤمي ، وشقائي ونكَدْ
قدْ شَفَّ مِني ما أرى حَرُّ الكبدْ
أخْلَفَ ما أرجُو لأهلي وولدْ
ويريد أن يُبلّغها لأسامة ويطلب نصيحته ، ولكن يبدو أن أسامة كان قد غادر صلالة نحو اليَمَن وانقطع الاتصال وتجاوز مجال التغطية والبثّ ..
وتحدثه نفسُه ، فيجد رصيداً من مواعظ أسامة يحمله على أن يجرّب سهمه الأخير الخامس ..
هل بقيَ أمري مُعلقاً بهذا العود النحيف الحائر الذي يزيده استفهامي نحتاً ويقعد به إحباطي ..
لأرسله يلحق بإخوانه ..
فإن كان ... وإلا فإنّ يأساً جديداً لن يجدَ محلاً له في قلبي فارغاً محجوزاً ينتظره ... لقد انتهيت .. فليكن ما يكن ..
ومضى السهم .. ورَنينُ مروقه يخرق السكون ..
الله .. الله .. لا حول ولا قوة إلا بالله ..
هي القدحة مرة خامسة ..
ويتناول هاتفه .. لكنه الصمت ..
وحيدٌ مع الأحزان ... ولا سلوان ..
ويكلم نفسَه : تسافر الآن يا أسامة وأنا المحتاجُ إليك .. أهكذا الأقدار حين تجتمع وتتراكم وتحاصر الحيران ؟ ؟
أتجبَهُني نكبتان ؟ نكبةُ ضغط العدو عليّ ، ونكبةُ غياب الواعظ ووكيل الفِكر وأمين القصص ! !
لك الله يا قلبي الحار .. لك الله يا فؤادي الملذوع ..
أبعدَ خمسٍ قد حفظتُ عَدّها
أحْمِلُ قوسي واُريدُ رَدّها
أخزى إلهي لِيْنَها وشَدَّها
واللهِ لا تسلمُ عندي بعدَها
ولا اُرَجّي ما حَييتُ .. رِفْدَها
- ويتصاعد الغضبُ في نفس المحارب ، فيقوم واقفاً في الظلام ، وقد نفرت الظباء فلا يسمع إلاّ الأصداء المتناقصة من وقع حوافرها ، وقد خسرَ كلّ شيءٍ من عتاده وأمله ، وأصبح في موقف حرجٍ أمام عياله ، وأمام أسامة لو درى ، وأمام الأدب ، وأمام التاريخ ..
ثم انتابته حالة ضياع ..
فطفق يصيح وينادي بأعلى صوته ..
ويلي .. ويلي ...
يا ظباءُ لا تعودي .. كوني حُرّة ومُوتي عِطاشا ..
بل يا ظباءُ عودي .. فلن تجِدي رامياً ماهراً ..
لا تخافي .. أنا الفاشلُ التائه ..
إشربي .. أنا السِّلميُ الجبان ..
- وقبل أن تتلاشى أصداء صراخه بين الجبال : رفع قوسه بشماله ، وهوى به على الصخرة ، فكسَرَه وهشّمَه ، فاستحالَ شظايا .
وجلسَ مُحارب سانداً ظهره إلى الصخرة ، والوساوس تسيح به إلى اُفقٍ بعيد ، حتى استرخى ، فأخذته إغفاءة أطالها تعَب الانهيار ، فلم يوقظه غير تغريد طيرٍ قُبيل الشروق ، فقام مُسرعاً ، يريد الوضوء من غدير الظباء ليدرك الصلاة ..
- الله ... الله أكبر ... الله أكبر ...
ما هذا .. ؟ آمنت .. آمنت .. !
خمسٌ من المها مضرّجاتٍ بدمائها قد اخترقتها سِهامي .. أهذه قوةُ ساعدي قوّاها الله فأنفَذْتُ .. ؟
إنها رميات موفقات من قوسٍ صادق ... فصدّقها الله ..
لِزَخمها .. وإمغاطها .. وسرعتها : اخترقتْ رقاب المها ، وظهرت من جانبها الآخر ... فضربتِ الحَجَر .. فكانت القَدَحات ..
قَدحةٌ .... بعد ذِبحة ..
تلك هي حركة الحياة إذاً حين يتولاها الله بعد نشأتها الأولى ، فتكون البَرَكة ..
بسم الله .. بسم الله .. بسم الله ... بسم الله ... بسم الله .... والله أكبر .
- ويعود محارب إلى صخرته ، ويلتقط هاتفه ، ليخبر أسامة .
- نعم يا محارب ، الآن بدأ هاتفي يستلم ، وأنا داخل حدود اليمن ، لكن إياك والشكوى ..
يائسٌ يستشير مُحْبَطاً .. !
- كلا ، كلا يا أسامة .. إنها البُشرى إذ أنت في أطراف المُكَلاّ ..
- بشّركَ الله بخير ..
- لقد رميتُ بعدك ببقية أسهمي في الظلام ، فأذهلتني القدحات ، فتمّردَتْ نفسي وطاشت ، وأردت إخبارك فوجدتك في طريق السَفر بعيداً عن التغطية ، حتى ملكني اليأس ، فكسرتُ قوسي ، فلما كان الإسفار وجدتُ كلَّ سِهامي نافذة ، وخمساً من المها السِمان مضرجات بحمد الله ..
- ما شاء الله .. ما شاء الله .. عاشت يدك لتبري أقواساً غيرها وتقنص المزيد ..
وتلك قصةٌ حَرِيٌ بفقه الدعوة أن يدونها ..
- لكني أنا الآن التائب الندمان .
ندِمتُ ندامةً : لو أنّ نفسي
تطاوعني .. إذاً لبَترتُ خَمسِي
تبيّنَ لي سَذاجَ الرأي منّي
لعَمْرُ اللهِ حين كسرتُ قوْسي ! ! ( 1 )
- لكن من التجربة نتعلم ، وبعد عثرة الخطأ تكون نهضةُ الصواب .. واُريد أن اروي لك بقيةً من فقه الراشد ..
- كلا يا أسامة .. بل أنا الآن الواعظ، وقد صنعتُ الحياة ومارستُ ، ورجعتُ بنبأ يقين.. وأريد أن أبلغك رسالة إلى أهل العراق..
لقد صَدَقَتْ فِراستي ، فتعلمتُ من صَنعة البداوة ورياضة القنص أطرافاً من أخبار حركة الحياة ما كان لي أن أتلقنها لو لم يكن بشمالي قوسي وأسهمي بيميني ..
أرجع يا أسامة من اليمن إلى بغداد برسالتي ..
- قل لأهل بغداد أن محارب القيسي وَجَد قولَ الراشد حَقّا ، فحالفَ الخفاجي ، وخالفَ دُعاة الهزيمة ..
- قل لهم : إن محارباً هو البائن الكائن ..
بائنٌ عنهم بانزوائه في الصحراء يُعيد سُننَ الأوتار ، ويحاول إحياء فقه البداوة الأصيل ، نقضاً للعولمة ، وتمثيلاً للمعنى العتيد بين العالمين .
لكنه كائن معهم بقلبه وروحه وفِكره ، يرتاد لهم ، ويُثري الفقه القيادي ..
- قُل لهم .. هو الغائب الحاضر ..
وأنتَ حَضري .. وأنا بَدَويّ .. لكنّ الدعوة صهرتْ شخصيتَينا معاً فامتزجَتا ، وصيغت الأصالة مُندمجةً مع فقه التخطيط الطارِف الجديد ..
- قُل لهم : إنّ السهمَ جِرمٌ صغير ، إنما فيه انطوى العالمُ الأكبرُ ..
- قل لأهل بغداد وقُرى دجلة والفرات : إنّ سهامَكم نافذة ، وقد قَدَحت بعد أن ذبحتْ ، لكن التعتيم الإعلامي هو الذي يُغطّي الحقيقة والخبر ..
- قُل لهم : لا يسْتفزَّنكم الذين لا يوقنون ..
إن سهامكم الأولى أثخنتْ في جيش الاحتلال الأميركي ..
وأنتم حلقة الوصل الحاضر في سَند الجهاد العالي بين سلفٍ كريم .. وجيلٍ مستقبليٍ يواصل ..
وإنّ سهامكم الأخرى هي التي ستفهمها الشعوبية ..
- قل لأهل العراق :
إنّ ربّاً عزيزاً ألهَمَ مُحارباً البَدوي نحتَ وبَرْيَ الأقواس والسِهام ، وهو يريد أن ينقلها ... للأبرياء ..
- وقل لدعاة الإسلام في العراق :
أنتم تفتحون الفتوح ، ولكنّ النتائجَ تتأخر ، وطريق الجهادِ طويل ، والسياسةُ جزءٌ منه ، فلا يحملنكم تكذيب الجاهل والمستعجِل على أن تركنوا ليأسٍ وإحباط ، فإنكم تتخذون من التخطيط الشمولي وسيلة ، ومن الرؤية الإستراتيجية سَلوة ، والبناءُ من شأنه احتياجُ الوقت ، والهدمُ سهل ، والإرجاف مفضوح ، وإنّ يداً تتقدم إليكم بغدرٍ واغتيالٍ لهي يدٌ توشكُ أن تشَل ، فإنكم على طريق الهداية ، وقد جمعتم بين الحُسنيين والجهادَين : جهادَ الرميِّ .. وجهادَ الرأيِّ والحُجَّة والسياسة والمنافسة والتدبير والكلمة الصادقة في يوم الكذب ، والشعار المستقل في ساحة الاختلاط ..
- ويا أسامة .. قُل للجميعِ .. إن الشهادةَ منحة ..
وإنّ سقوط عايد جبر العيساوي هو علامة الصعود