Tuesday, July 1, 2008

هل تتحول مصر الى بادية وأهلها الى بدو

قررت أن أعيد نشر هذه التدوينة رغم أني نشرتها من قبل منذ عدة شهور ، وذلك بسبب مواقف عديدة رأيتها وحدثت لي أو أمامي في الفترة الماضية جعلتني أكرر هذا السؤال مرة أخرى، هل ستتحول مصر الى بادية وأهلها الى بدو؟
-----------------------------------------------------------------
قرأت في كتاب : الوشي المرقوم، في بيان أحوال العلوم - المجلد الأول مانصه
وأما العلوم العقلية أيضا: فلم تظهر في الملة، إلا بعد أن تميز حملة العلم ومؤلفوه، واستقر العلم كله صناعة، فاختصت بالعجم، وتركتها العرب، وانصرفوا عن انتحالها، فلم يحملها إلا المعربون من العجم - شأن الصنائع، كما قلناه أولا -؛ فلم يزل ذلك في الأمصار، ما دامت الحضارة في العجم وبلادهم من: العراق، وخراسان، وما وراء النهر؛ فلما خربت تلك الأمصار، وذهبت منها الحضارة، التي هي سر الله في حصول العلم والصنائع، ذهب العلم من العجم جملة، لما شملهم من البداوة، واختص العلم بالأمصار الموفورة الحضارة؛ ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر، فهي: أم العالم، وإيوان الإسلام، وينبوع العلم والصنائع؛ وبقي بعض الحضارة فيما وراء النهر، لما هناك من الحضارة بالدولة التي فيها، فلهم بذلك حصة من العلوم والصنائع لا تنكر.
وقد دلنا على ذلك: كلام بعض علمائهم في تآليف وصلت إلينا من هذه البلاد، وهو: سعد الدين التفتازاني؛ وأما غيره من العجم فلم نر لهم من بعد الإمام: ابن الخطيب، ونصير الدين الطوسي، كلاما يعول على نهايته في الإصابة؛ - فاعتبر ذلك وتأمله، تر عجبا في أحوال الخليقة؛ والله يخلق ما يشاء، لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وحسبنا الله، ونعم الوكيل، والحمد لله -. أهـ
--------------------------------------------------------------------
عرف البدو أنهم المقيمون في الصحارى والقفار الذين يرتحلون بحثا عن الماء والآبار ويسكنون الخيام ومتاعهم قليل وثروة أحدهم هي الضأن والماعز والعصا والثوب ، ومن قسوة حياتهم قست قلوبهم وغلظت ، وقل علمهم وشاه سلوكهم وساءت أخلاقهم وضاق أفقهم الا قليلا ممن رحم الله ، وجل ثقافة البدو وأفكارهم هي العصبية والغزو والثأر وغسل العار وما شابه
من صفات البدو الخشونة والجفوة، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم الى هذه الحقيقة فقال: (من بدا جفا)، وان صفات البدو عدم قدرته أو تحمله أن يدخل في تفاصيل الأمور، بل تراه يجمل في كل شئ حتى الدين يأخذه مجملاً، وتراه أكثر شئ يتعامل معه هو الحيوانات والجمادات فهو الآمر والناهي ولا راد لأمره بذلك يجفو ويتصلب ويتطبع على هذه الخصلة

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج الرجل الى البادية ويعيش فيها بعد أن خرج منها وعاش في الحضر فلعن من ارتد اعرابيا بعد الهجرة
وذم الله الأعراب فقال تعالى : الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم
--------------------------------------------------------------------
ان قسوة العيش وقلة العلم والتعليم وتقطع العلاقات الاجتماعية وتقوقع كل شخص على نفسه وأسرته هو المحضن الرئيسي للبداوة ، والدليل على ذلك أنه في مدن مثل مدن جنوب مصر في الصعيد تقترب أخلاق الناس وطباعهم من أخلاق البدو بشدة ، وفي مناطق الريف المصري الفقيرة كذلك حيث يمكن أن تقتتل عائلتان بسبب خلافهما على أيهما يروي أرضه أولا
--------------------------------------------------------------------
لقد عاش الشعب المصري في معظمه معيشة الحضر منذ فجر التاريخ حتى هذه الأماكن النائية في صعيد وريف مصر كانت مستوى الخدمات فيها مقاربا لمستوى الخدمات في غيرها من المدن وان قل فيها مستوى المعيشة عن غيرها ، ولكن بعد الثورة الميمونة اتسع الفارق وبشدة بين الجانبين ، فبينما امتد العمران والمدنية والحضارة في المدن الكبرى اذا به يسير ببطء شديد وأحيانا لايسير اطلاقا في باقي مصرحسب حاجة النظام الى الشو الاعلامي في منطقة معينة ، وما معاناة أهل النوبة عنا ببعيد ، فأصبح أمل أهل هذه القفار الأكبر هو النزوح الى القاهرة أو البندر
ورغم كل ذلك كان هناك المشروع القومي الذي يجمع المصريين جميعا ، فبعد أن كان المشروع هو طرد الاحتلال ، صار المشروع هو الغاء الطبقية والمساواة بين أبناء الشعب والقضاء على الاقطاع ثم صار المشروع التخلص من الهيمنة الأجنبية بتأميم القناة ثم صار المشروع هو السد العالي كل هذا والشعب يحس أن مشروعاته القومية تحقق انجازات له ولو كانت هذه الانجازات هيكلية فارغة من مضمونها الحقيقي ومصممة خصيصا من أجل الدعاية والترويج للنظام الديكتاتوري البشع الذي كان مهيمنا في هذه الحقبة . ثم أتت الكارثة في هزيمة سبعة وستين الساحقة المدوية لينهار الحلم الكرتوني وتنهار المشاريع الديكورية ، الا أن النظام سرعان ما أطلق مشروعه التالي وهو الابقاء على عبد الناصر وتبنى الشعب الساذج هذا المشروع بسرعة وانطلقت المظاهرات في ربوع مصر تطالب ببقاء الزعيم الخالد ، وبقي الزعيم الخالد فأطلق مشروعه التالي بنفس السرعة وهو ألا صوت يعلو فوق صوت المعركة وضرورة أخذ الثأر من اسرائيل
ومات الزعيم الأوحد وبقي المشروع واضطر الزعيم المؤمن أن يتبناه فهو حلم الشعب كله ووصية المرحوم ، ولكنه كان في قرارة نفسه لا يحب هذا المشروع ولا يرى جدواه ، فما الفائدة من الانتصار على اسرائيل طالما المعركة لن تحسم فستعاود اسرائيل الكرة ولن تنتهي هذه الحروب ، فكان لابد أن توضع مصر واسرائيل في حرب محدودة يحقق منها الرئيس المؤمن الانتصار الذي يمكنه من طرح السلام من منطلق القوة ، كما يدعم مكانته المهتزة من بعد الزعيم الخالد
وهكذا قامت حرب أكتوبر المحدودة ويعلم هذا جيدا من شاركوا فيها كما يعلمون أن مجريات الأمور لم تسر فيها كما أرادوا فمن ناحية التجهيز المعنوي للجيش المصري كان عاليا ففلت عياره منهم في الجبهة وظهرت البطولات الحقيقية والتضحيات الرائعة ومن ناحية أخرى فاليهود لا عهد لهم ولاذمة ومن ثم فمهما كانت الاتفاقات معهم فهي غير ملزمة لهم
المهم أنه بعد أن تحقق النصر أصبح الشعب ولأول مرة بدون مشروع قومي حقيقي وواضح يجتمع المصريون عليه ، كان هناك كلاما مبهما عن البناء والتنمية والرخاء ، وتراخى الشعب الذي طحنته الحروب والقهر ثم بدأت أبواب الانفتاح تفتح على مصراعيها بلا ضابط ولا رابط وبدأت مصائب السلام المخزي مع العدو الصهيوني تنهال على رأس البلد
وبدأت الشاريع القومية تتحول الى مشاريع خاصة ، والعجب أنك تسمع أن هذه المشاريع الخاصة بدأت في هذه الفترة على مستوى العائلات ثم بعدها بفترة وجيزة زادت الفرقة وزاد الطمع وتفرقت العائلات الى أسر وصار منذ ذلك الوقت لكل أسرة مشروعها ولم تجتمع البلد على مشروع قومي موحد من يومها والى الآن
صارت المصلحة الخاصة هي الفيصل والحكم والدافع والمحرك
تقطعت أوصال الروابط العائلية والاجتماعية
صار القتال والتنازع واستخدام القوة والبلطجة والنفوذ والمحسوبية لحل المشكلات
غيب دور الكبير فكل واحد كبير نفسه ولا يقبل كلمة من أحد

غاب الكلام في التفاصيل لغياب الحوار نفسه بين أفراد المجتمع وصار الكل يقفز الى النتيجة وهي المصلحة بغض النظر عن التفاصيل

ضعف وربما انعدم مفهوم الوطن وصار وطني هو ما أجد فيه مصلحتي وما أجني فيه أقصى قدر من الربح ، فصارت أغلى أمنية عند المصري هي سفره الى أحد البلاد العربية في عمل مجزي ماديا

وبمرور الوقت أصبحت الغلظة والجفوة والحدة هي أسلوب التعامل الغالب بين أفراد المجتمع ولو على مستوى البيت الواحد

اليست الصفات السابقة هي صفات البدو ومجتمعات البادية ؟
ألا ترى أننا اذا تتبعنا هذه الصفات والخصائص التي أصبح عليها المجتمع الآن لوجدنا أنها تعدت حتى ماعرف عن أهل البادية من الكرم والنخوة واكرام الضيف وعدم خيانة الأمانة
وللأسف فدعاة الاصلاح جزء من هذا المجتمع وهم يسيرون معه حيث سار في بيوتهم وأهليهم وأسرهم ثم هم ينابذونه في السياسات الحكومية فقط ، وما أرى أن لهذا سبب الا أن دعاة الاصلاح أنفسهم قد غاب عنهم تبني مشروع اصلاحي واضح المعالم ، واضح المشروعية ، واضح الخطوات ، ، والأهم من كل ذلك واضح المرجعية
أعتقد أن هذا هو السبيل الوحيد للخروج بالبلد من الفوضى والعشوائية ومن مجتمع البداوة الذي يزحف اليها بسرعة مخيفة
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

5 comments:

Anonymous said...

جزاك الله خيرا
نزار

أبو نظارة said...

أخي نزار
وجزاك الله خيرا

م/ أحمد مختار said...

اخي ابو نظارة
مقال جميل ، واؤيد بشدة ان وجود الصفات الذي ذكرتها لا تعود بالمجتمع الى البداوة فحسب بل ستلقي بنا في مزبلة التاريخ ، موقف صغير امربه بشكل متكرر: اكون وزوجتي وابنتي نمشي على الرصيف وشابان او ثلاثة او اكثر يقفون ، لا احد يفكر ان يتنحى جانبا كما كنا في الماضي القريب جدا ابدا

لا احد يفكر في ان يعطي الطريق حقه، انما هم واقفون اماكنهم بل وربما زادوا من المسافات بينهم بشكل متعمد وكانهم يقولون لا نبالي ، الا يدل هذا على المستوى الاخلاقي المنعدم .

اخيرا : انما الامم الاخلاق ما بقيت فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا .
جزاك الله خيرا

أبو نظارة said...

أخي م/أحمد
الموقف الذي ذكرته سيادتكم بالفعل له دلالاته الانحطاطية في سلوكيات أفراد المجتمع
وهناك بالطبع ماهو أكثر انحطاطا من ذلك فالحمد لله أنهم تركوكم تسيرون دون أذى
لذلك عندما يتكلم الأستاذان حسن البنا وسيد قطب عن الحضارة وأن مقياسها ليس التقدم العلمي والمادي وانما هو سعادة البشر والارتقاء بهم على المستوى الإنساني وهي الغاية التي جاء بها الإسلام فهما محقان تماما
والى الله المشتكى فقد ضاع منا التقدم المادي منذ زمن ثم تبعه الإنساني الذي تعمنا به سنينا طويلة
تقبل تحياتي واحترامي

علاء العمري said...

رغم اني لست مصريا الا ان كلامك يكاد ينطبق على كل الدول العربية
سعدت جدا بالمرور على مدونتك الراقية