Tuesday, December 27, 2011

الثوابت وسنينها

في أواخر السبعينات كان البعض يفتي بأن دخول كلية الحقوق حرام لأنها تدرس القوانين الوضعية ودخول كلية الطب حرام لأنها تستخدم التشريح وكسر العظام وهذا من التمثيل بالأموات ، وكان دخول كلية الآثار حرام لأن فيها تعظيم للأصنام ... الى آخر هذه الفتاوى التي كانت تروج على أنها ثوابت في الدين
ثم في أوائل الثمانينات بدأ بعض المروجين لهذه الفتاوى في التنازل عنها ولم تعد من ثوابت الدين
في أوائل الثمانينات كان دخول الاتحادات الطلابية حرام لأن أنشطتها قائمة على الاختلاط والمعازف(الموسيقى) وكانت المنشورات الجامعية تنعى على طلاب الإخوان تفريطهم في ثوابت الدين بدخول هذه الاتحادات
ثم في أواخر الثمانينات بدأ المحرمون يستحلون دخول الاتحادات الطلابية ويرون انفسهم أحق بها من الاخوان
في أواسط الثمانينات ظهرت فتاوى الشيخ أسامة عبد العظيم والشيخ أبو ذر القلموني وكانا مشهورين في القاهرة وكان غيرهما مشهور مسموع الفتوى - كل في بلدته
ذلك بالإضافة الى الفتاوى العابرة للقارات وأغلبها من السعودية وباكستان تحديدا وكلها (تحرم) و (تجرم) مثلا
لبس الملابس الإفرنكية (البدلة او البنطلون بالذات) باعتبارها من التشبه بالكفار وتجسم العورة ، حتى ان الشيخ أبو بكر الجزائري نقل عن أحدهم قوله في تفسير حديث تشبه المسلمين بغيرهم الذي يقول في آخره النبي صلى الله عليه وسلم "حتى لو دخلوا جحر ضب ضيق لدخلتموه وراءهم" ان المقصود بجحر الضب هو البنطلون
تحريم لبس الكرافتة : وقد سمعت الشيخ أسامة عبد العظيم يحرمها للتشبه بالكفار
تحريم المظاهرات والاعتصامات والإضرابات قولا واحدا وقد افتى بهذا تقريبا جميع مشايخ السلفية في مصر واعتبروها من غير سبيل المؤمنين
التشنيع على الإخوان لأنهم يشتغلون بالسياسة ويشغلوا الناس بها ، أما هم فهم يصلحون عقائد الناس الفاسدة ، وأن الطريق لإصلاح المجتمع يكون بنشر العقيدة الصحيحة والعلم الشرعي أولا دون أن نشغل الناس بالسياسة
ظهر كتاب "القول السديد في أن دخول المجالس التشريعية يخالف عقيدة التوحيد" الذي يكفر من يدخل انتخابات مجلس الشعب وكان هذا الكتيب يطبع ويوزع مجانا
ثم ظهر في الإسكندرية كتاب "إعلان الحرب على مجلس الشعب" والذي يدعو الى قتال من ينادون بدخول المجلس باعتبارهم كفارا مشركين
ولما خاطبهم بعض العلماء أن الدين له لباب وهي الثوابت الفعلية التي لا يجوز مخالفتها كما أن له قشرا من التزم بها أثيب بنيته ومن تركها فلا حرج عليه ، ظهر كتاب "بدعة أولى الألباب في تقسيم الدين الى قشر ولباب" وهو تفريغ محاضرة للشيخ محمد النقيب
ولن أتطرق هنا الى تحريم الخروج على الحاكم وإن كان ظالما ، والاستدلال بفتاوى العالمين الجليلين الشيخ عبد العزيز بن باز و الشيخ العثيمين في هذا الشأن وهي كثيرة ومتداولة
المشكلة في كل ما سبق أن مروجوه كانوا يعتبرونه من ثوابت الدين ، فكانوا لسنوات طوال يجمعون الأدلة ويقيمون حلقات الدرس ويطبعون الكتب لشيئين أولها : إثباتا واستدلالا وتأصيلا لخطورة هذه الأمور وعظمها باعتبارها من ثوابت الدين وثانيها : قدحا وذما وسبا وشتما وتشنيعا وتفسيقا وتبديعا للمخافين بل وصل الامر الى التكفير في بعض الأمور والاتهام بالتميع العقائدي لمخالفيهم في أمور أخرى
- أنظر الى أغلب من قاموا بكل هذه الصولات والجولات الآن تجدهم قد تراجعوا عن كل تلك الفتاوى تقريبا أو كادوا
فهم يلبسون البنطلون والبدل والكرافتة ويشاركون بل ويزايدون على من يشاركون في الاعتصامات والإضرابات والمظاهرات
ويشاركون بل ويزاحمون وينافسون ويقاتلون للوصول الى المجالس النيابية
وكل ذلك تحت شعار "الحفاظ على ثوابت الدين "
تداعت هذه المعاني الى ذهني بعد أن رأيت صورة يقوم إخواننا هؤلاء بنشرها على الانترنت مع وابل من الشتائم والسباب والتشنيع إياه "بتاع الثوابت" إياها أيضا هذه الصورة تظهر حضور مندوبي الإخوان قداس اعياد الميلاد لتهئنة المسيحيين بالكنيسة الكاثوليكية بمدينة نصر والسؤال هو
متى ستزاحمون الإخوان على المقاعد الأمامية في الكنيسة لتهنئة المسيحيين بعيدهم ؟

ثم متى سنقرأ في الجرائد : الحركة السلفية تستنكر غياب الإخوان عن حضور قداس أعياد الميلاد ؟
رحم الله الشيخ محمد الغزالي

2 comments:

محمد نبيل said...

أخى الكريم ..

فى اعتقادى .. أن ذلك التغير فى الفتاوى والمواقف لأصحاب تلك التيارات الدينية نتج عن الآتى :

أن نشأة هذه الحركات الدينية جاءت بعد فترة إنقطاعٍ مجتمعىٍ إجبارىٍ شبه كاملٍ عن الدين بأكمله كمهج حياة متكامل , وانقطاع تعليمه لعامة الشعب , بل تعمد تجهيله بدينه , وقصره فقط على المساجد وعلى بعض العبادات الظاهرة ..

فكان من الطبيعى بعد هذه الفترة الطويلة من الخواء الروحانى الأصيل وما يستتبعه من فكرٍ مستنير .. أن يتكون فكرٌ يفتقد إلى الأسس الصحيحة التى لا يعرفونها أصلاً أو لا يعرفون طريق ووجهة الحصول عليها ..

فكان الأمر بمثابة إجتهاداتٍ شخصيةٍ مبنيةٍ على قراءاتٍ شخصيةٍ لأفرادٍ لم يتلقوا أى علمٍ شرعىٍ أصيلٍ من مصادر تعليمه , خاصةً بعد إضعاف وإفساد وتخريب مؤسساته التعليمية العريقة ..

وكان من نتاج ذلك فتاوى ما أنزل الله بها من سلطانٍ مثل تلك التى ذكرت ..

وبمرور الزمن وارتكاب العديد من الأخطاء , يبدوا أنها أتت بثمارها فى مراجعة هؤلاء لأنفسهم فى الكثير من مواقفهم السابقة التى اكتشفوا خطأ اجتهادهم بشأنها.

هذا هو تفسيرى وتبريرى لمواقفهم .. والله أعلى وأعلم.

محمد عزت أبوسمرة said...

مقال جيد ، انا أقول : السبب في مثل هذه المراهقة الفقهية هي عدم الاخذ بالمنهج الصحيح في تلقي العلم والذي ترتب عليه عدم تبنيهم لطريق التربية واكتفائهم بشيوخهم الذين نحسبهم علي خير من أهل العلم والفضل ، لكن كان عليهم أن يبينوا لهم أن يسلكوا كل الطرق في سبيل تلقي العلم وليس طريق الحجاز فقط ...