Thursday, May 15, 2008

هل نعرف قيمة ما لدينا ؟

يقول الله تعالى { كلا إن الإنسان ليطغى . أن رآه استغنى }
كثيرة هي النعم التي أنعم الله بها علينا ، نتقلب فيها ليل نهار ، تدخل في نفوسنا السرور وترغبنا في العيش واستمرار الحياة ، كل الناس وحتى أبأس الناس حالا اذا عرضت عليهم الموت رفضوه وهربوا من مجرد ذكر اسمه ، كل الناس حريص على حياته ، ترى لو لم يكن يعيش في هذه النعم التي ربما لا يحس بها هل كان يبالي أيحيا أم يموت ؟
المشكلة هي في احساسنا بالنعمة ، وتقديرنا لها ، واعترافنا بها ، هذا الاعتراف الذي سيؤدي ولاشك الى شكر المنعم وعبادته عبادة الشاكرين
من علامات غضب الرب على عباده أن يفقدوا الاحساس بالنعمة ، فيعيشون بين نعم كثيرة يفنون حياتهم للحصول عليها ومع ذلك لا يحسون بالفرح بها ولا يتمتعون بوجودها وربما لا يستفيدون منها وربما يشقيهم الله بهذه النعمة فتكون وبالا عليهم . والعكس صحيح فمن علامات رضاء الله عن العبد أن يسعده بالنعمة مهما كانت بسيطة ويمتعه بها مهما كانت ضئيلة ويفيده منها أقصى استفادة ممكنة ، ولذلك روي عن أئمة الصوفيه قولهم "نحن في نعمة لو عرفها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف"
أخرج ابن أبي الدنيا عن كعب قال: ما أنعم الله عز وجل على عبد نعمة في الدنيا فشكرها لله عز وجل وتواضع بها لله إلا أعطاه نفعها في الدنيا ورفع له بها درجة في الآخرة، وما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها لله عز وجل ولم يتواضع بها لله إلا منعه الله عز وجل نفعها في الدنيا وفتح له طبقا من النار، فعذبه إن شاء أو تجاوز عنه
فكلما اقترب العبد من ربه أنار بصيرته فرأى نعمه فشكره عليها
ومن أعظم النعم التي من الله بها علينا نعمة الاسلام قال تعالى : { واذكروا نعمة الله عليكم ، وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به؛ واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم }
من منا يشكر الله على هذه النعمة ؟ وكم مرة يشكر الله في اليوم عليها ؟ ومن منا يعمل للحفاظ على هذه النعمة ؟ ولكي يتضح المقال أروي لكم موقفين
الأول : يروي الدكتور عبد الرحمن السميط رئيس لجنة الاغاثة الاسلامية الكويتية والتي كانت تعمل في افريقيا وبالذات في اريتريا المسلمة والمنسية يقول في محاضرته : ذهبنا الى احدى القرى التي تتعرض لمجاعة وأحضرنا لهم الطعام فأتانا شيخ هذه القرية وقال لنا يا أبنائي جزاكم الله خيرا ولكن لا فائدة فان الطعام غدا سينفذ ولن تستطيعوا ان تحضروا لنا غيره ، وان الكنيسة في البلدة المجاورة عرضت علينا أن تمدنا بما يكفينا من الطعام بشرط أن نتنصر فرفض أهل القرية كلهم فرحلوا وتركونا ، وسوف نموت بعد أيام طالت أو قصرت.فقال له الدكتور وهو يبكي من حديثه ومن الاحساس بالعجز : فماذا نستطيع أن نفعل لكم ؟ قال ان الجوع اذا اشتد بنا وبدأنا في الموت فلن تكون لدينا القوة على حفر القبور فكل ما نطلبه منكم أن تحفروا لنا قبورنا حتى اذا حضر أحدنا الموت وضع في قبره وأهيل عليه التراب
هل رأيتم يا اخواني قدر نعمة الاسلام في نفوس هؤلاء الناس التي تذهب فداؤها النفس والأهل والولد ؟
الموقف الآخر : كنت ذاهبا الى عقد قران في دار الافتاء بالدراسة منذ عدة سنوات وبعد نفق الدراسة أشار شخص الى التاكسي الذي كنت أركبه فتوقف التاكسي وسأله هذا الشخص عن دار الافتاء فأخبرته أننا ذاهبون اليها وطلبت منه أن يركب لنوصله معنا فركب ، وبدأ على الفور يريني الأوراق التي كان يحملها ويتكلم بسرعة وفي فرح وحماس شديدين قائلا : انا أعلنت اسلامي من كام يوم ومراتي وولادي التلاته كمان ، تصوروا بقالي ييجي سبعة أشهر بحاول أعلن اسلامي ، وودوني أمن الدولة وحققوا معايا وبعدين ودوني الكنيسة وسابوني هناك لغاية الحمد لله لما لقوني مصر على الاسلام سابوني اعمل ورقي في الازهر بس لسه باخلص فيه ، والله انتم يامسلمين يابختكم انكم اتولدتم مسلمين ، أنا بقالي خمسين سنة مسيحي وحاسس اني اتولدت النهارده ، انتم في نعمة عظيمة مش حاسين بيها ، الاسلام ده حاجة كبيرة قوي ... وأخذ يردد هذا الكلام وأنا أهنئه حتى بكى وأبكاني
هذا هو شكر النعمة يا اخواني
أخرج الخرائطي عن أبي عمر الشيباني قال: قال موسى عليه السلام يوم الطور: يا رب إن أنا صليت فمن قبلك، وإن أنا تصدقت فمن قبلك، وإن أنا بلغت رسالاتك فمن قبلك، فكيف أشكرك؟ قال: يا موسى الآن شكرتني.
ولو ظللنا نتحدث عن هذه النعمة الغالية العظيمة – نعمة الاسلام – فلن تكفينا المجلدات لذلك ننتقل الى نعمة أخرى وهي نعمة الأخوة .. زمرة القلب الواحد
{ واذكروا نعمة الله عليكم : إذ كنتم أعداء ، فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته إخواناً . وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها . } وفعلا لن يحس بهذه النعمة الا من ذاقها ثم حرم منها ، يقول الأستاذ سيد قطب : ينادي الله الجماعة المسلمة ويوجهها إلى القاعدتين الأساسيتين اللتين تقوم عليهما حياتها ومنهجها . واللتين لا بد منهما لكي تستطيع أن تضطلع بالأمانة الضخمة التي ناطها الله بها ، وأخرجها للوجود من أجلها . . هاتان القاعدتان المتلازمتان هما : الإيمان . والأخوة . . الإيمان بالله وتقواه ومراقبته في كل لحظة من لحظات الحياة . والأخوة في الله ، تلك التي تجعل من الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة ، قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة البشرية
كثيرون منا يستهينون بهذه النعمة ، فيهملون رعايتها حين الاختلاف وتباين الاجتهادات ، كثيرون منا لا يهتمون بشكر هذه النعمة فتذبل ويقل أثرها أو يتلاشى كلية ففي صحيح مسلم عن عائذ بن عمرو؛ أن أبا سفيان أتى على سلمان و صهيب وبلال في نفر. فقالوا: والله! ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. (يقصدون أبا سفيان) قال فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره. فقال "يا أبا بكر! لعلك أغضبتهم. لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك". فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه! أغضبتكم؟ قالوا: لا ويغفر الله لك يا أخي!
هكذا تراعى نعمة الأخوة
ان كل أخ هو نعمة مستقلة اهدارها هو كفر بهذه النعمة ونكران لها وما أكثر ما نضيع من النعم
{ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب }
{واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم}
{واذكروا نعمة الله عليكم ، وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ، واتقوا الله ، إن الله عليم بذات الصدور }
وفي النهاية
{ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ، إن الإنسان لظلوم كفار }
رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي
اللهم اني أسألك شكر نعمتك ، وحسن عبادتك
اللهم آمين
وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتدى بهديه واهتدى بسنته الى يوم الدين

11 comments:

خبيب said...

من علامات غضب الرب على عباده أن يفقدوا الاحساس بالنعمة ، فيعيشون بين نعم كثيرة يفنون حياتهم للحصول عليها ومع ذلك لا يحسون بالفرح بها ولا يتمتعون بوجودها وربما لا يستفيدون منها وربما يشقيهم الله بهذه النعمة فتكون وبالا عليهم

---

نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء

---

أتصور أحيانا أن غفلتنا عن نعم الله علينا ذنب يستحق الاستغفار !

ونعم الله لا تقتصر على ما أعطانا من خير

بل تمتد إلى كل سوء منعه عنا

وما أكثر هذا .. وما أغزره

واسأل طبيب بقى !!
:)

فليعد للدين مجده said...

أخي ابو نظارة
بارك الله في قلمك السيال ومعرفتك العميقة بتراثنا الاسلامي الرائع

فعلا ، اللي عز وجل قسم لكل عبد منا قسمة ترضيه وعليه استفراغ وسعه في الحصول عليها والرضا بها

لكن كثير من الناس لا يريد أن يتعب ويجلس يحسد الناس علاي ما آتاهم الله

ولا يدري أنه لو وهب ما عند الاخرين ربما ذلك يفسد عليه أمره
وأن الله قد اختار له الخير

وكفي باختيار الله لنا

أليس الله بكاف عبده)

يا الله كم نكون كثيرا من فاقدي الادب في
التعامل معك

اللهم اغفر لنا وارشدنا

أبو نظارة said...

أخي خبيب
ترى لو صرفنا العمر كله شكرا لله على نعمة الإسلام هل نكون قد وفيناه شكر هذه النعمة ؟ وكذلك نعمة الأخوة التي تداس بالأقدام عند اختلاف الاجتهاد والرؤى
فعلا يا أخي أكيد أن غفلتنا عن هذه النعم ذنب يستحق الاستغفار وهذا الاستغفار نعمة تستحق الشكر
لفتة جميلة منك اعتبار السوء الذي يعافينا الله منه من النعم
عافانا الله وإياكم من السوء
جزاك الله خيرا على الزيارة رغم مشغولياتك
تقبل تحياتي واحترامي

أبو نظارة said...

أخي الدكتور ايهاب
يقول ابن عطاء الله في حكمه "أن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه ، حسن ظنك به لأجل معاملته معك ، فهل عودك إلا حُسناً ؟ وهل أسدى إليك إلا منناً "
ومما كتبه رضي الله عنه لبعض إخوانه قوله :الناس في ورود المنن على ثلاثة أقسام : فرح بالمنن لا من حيث مهديها ومنشئها ولكن بوجود متعته فيها فهذا من الغافلين يصدق عليه قوله تعالى : {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} وفرح بالمنن من حيث إنه شهدها منة ممن أرسلها ، ونعمة ممن أوصلها يصدق عليه قوله تعالى {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} وفرح بالله ما شغله من المنن ظاهر متعتها ولا باطن منتها بل شغله النظر إلى الله عما سواه والجمع عليه فلا يشهد إلا إياه يصدق عليه قوله تعالى {قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ }
ثم يستدل رضي الله عنه بأن الله تعالى لم يقل لنبيه فلتفرح بل قال "فليفرحوا" لأن للنبي مقام أكبر من ذلك وهو قوله " قل الله "
سبحانه وتعالى
أسأل الله ألا يحرمنا أبدا من زياراتك وتعليقاتك المشجعة
فجزاك الله خيرا وتقبل منك
ولك خالص تحياتي واحترامي

فليعد للدين مجده said...

أخي أبي نظارة
شكرا علي الاضافة الرائعة
يشهد الله كم أستفيد من تدوينك !!

م/ أحمد مختار said...

اخي ابو نظارة
كلامك جميل ويذكر المرء بنعم غفل عنها ، ولقد فرق الله بين المؤمن وغيره في تعامله مع النعم حين قال في سورة الفجر (( فاما الانسان اذا ما ابتلاه ربه فاكرمه ونعمه فيقول ربي اكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي اهانن ))
ان هذا الوصف القراني لحال الانسان مع انعام الله عزوجل عليه لهو كاشف لخفايا نفوس البشر فاضح لاسرارها ،فرح بالنعم وظن ان رضا الله مرتبط بنعمه الظاهرة من توسيع الرزق ، وسوء في المقال وظن سيء بربه ان منع عنه شيئا كان يظنه رزقا له او خيرا له .....
ًٌٌَاه لو فهمنا قوله تعالى (( والله يعلم وانتم لاتعلمون ))
مصيبة هي ان نحصر النعمة في المال او الاولاد او الزوجات او او ايجادي نعمة تستحق الشكر نفسي نعمة تستحق الشكر عيني سمعي ذوقي نعم تستحق الشكر كفي عن اذى الناس وبعدي عن حب الشر لهم بل وارادة الخيرلهم نعمة تسنحق الشكر هدايتي لهذا الدين نعمة واكبر نعمة .............. بارك الله فيك وفي كلماتك فالكلمة وحسن الصياغة وهداية الفكر نعمة تستحق منك شكرها ....وهاانت تفعل
فجزاك الله خيرا .... وتقبل منا ومنك

أبو نظارة said...

أخي الغالي م/أحمد
لست أدري لماذا كلما قرأت كلماتك البسيطة والعميقة في ذات الوقت أحس أنك شخص صافي جدا
في زمن عز فيه الصفاء
لذلك أرتاح نفسيا لقراءة ما تكتب
بارك الله فيك
وتقبل تحياتي واحترامي

طارق الغنام said...

اخى الكريم
الحمد لله على نعمة الاسلام وكفى بها من نعمة
للاسف بعض المسلمين ولدوا مسلمين ولا يعرفوا عن الاسلام شيئا الا الاسم والاخريت يبحثون عن الحقيقة سنوات حتى يهد يهم الله للاسلام
بارك الله فى مقالتك وفيك
وجعلنا وذريتنا ممن نستمع القول فنتبع احسنة
تقبل تحياتى
ودمت بحفظ الله
وادعوك اخى الكريم لقراءة اول حب فى الاسلام بمدونتى المتواضعة

أبو نظارة said...

أخي طارق
شرفت المدونة بالزيارة والتعليق
فجزاك الله خيرا
وسوف البي الدعوة الكريمة الآن ان شاء الله
تقبل تحياتي واحترامي

اوعى تفكر said...

الحمد لله
الحمد لله على نعمة الاسلام ونعمة القران
فعلا الواحد ميحسش بالنعمه الا لما تروح منه
اد ايه ربنا ادينا نعم كتيرررررررررررر
واحنا مش بنحمده على النعم دى
بل بنعصى بيها ربنا
ربنا يكرمك يا اخى على البوست المتميز ده

أبو نظارة said...

أخي فارس النوبة
كل التحية لك أنك استطعت اقتناص هذا التعليق قبل أن يتم رفع الكمبيوتر
شد حيلك في المذاكرة
ربنا يوفقك ويقويك ويعينك ويذكرك
حتى نلتقي بعد امتحاناتك ان شاء الله
نستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك
تقيل تحياتي واحترامي